نظرات عرفات وهو يغادر وطنه بدت وكأنه يستنجد بشعبه (الفرنسية)

رانيا الزعبي

غاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عن الحياة، ووري جسده الثرى، لكن مرضه الغامض الذي أصابه قبل أسبوعين من وفاته فجر وراءه أسئلة كثيرة، وأثار شكوكا كبيرة، فهل كان مرض عرفات طبيعيا؟ أم أنه تعرض للسم بفعل فاعل؟ وهل كانت وفاته طبيعية كنتيجة لمرضه الغامض؟ أم بقرار بشري لنزع أجهزة الإعاشة عنه؟

قد يكون عرفات أول رئيس دولة بالتاريخ يمرض ويموت دون أن يتمكن الأطباء من تحديد المرض الذي ألم به، بل إن تشخيصات المرض شهدت اجتهادات من الأطباء بدت بلا نهاية ولا دراية، وأعادت مراحل تطور الطب إلى عصر ما قبل اختراع البنسلين مما شجع السياسيين أيضا على الإدلاء بتخميناتهم فيما بدا أنها أشبه بمسابقة في المعلومات الطبية.

فقد وصف المرض في البداية بأنه مجرد إنفلونزا حادة، ثم ثارت الشكوك حول إمكانية إصابته باللوكيميا، وبعد أن فشلت "تخمينات" أطقم الأطباء العرب في معرفة الحل، تقرر نقل الرجل إلى فرنسا بلاد النور -حيث العلم كاف لمعرفة المرض والديمقراطية لازمة للإعلان عنه- فغادر بكامل وعيه وعلى قدميه حتى سلم الطائرة وهو يحيي شعبه بالقبلات والابتسامات.

وبعد وقت قصير من وصوله إلى باريس صدرت تحت إشراف طاقم طبي رفيع تقارير مطمئنة عن الحالة الصحية لعرفات، وفجأة دخل الرجل في غيبوبة عميقة غير مفسرة، لتعلن السلطة الفلسطينية بعد ستة أيام وفاته رسميا، بعد أيام من إثارة الشائعات حول وفاته سريريا، وذلك كله دون أن يحدد المرض الذي أصابه.

لماذا صمت الرفاق؟
ورثة عرفات ورفاقه كان لهم دور كبير بإثارة الشكوك حول أسباب وفاة رئيسهم، حيث أعلن رئيس الحكومة أحمد قريع منذ الأيام الأولى لمرض عرفات عن وجود احتمال بتعرضه للتسمم.

وظل هذا الاحتمال قائما إلى حين دخول عرفات في الغيبوبة، ثم نفى وزير الخارجية نبيل شعث خلال وجوده بباريس أن يكون عرفات قد تعرض لأي نوع من السم، دون أن يقدم بديلا آخر بعد سقوط كل الاحتمالات التي وضعها الأطباء.

غير أن ممثلة السلطة الفلسطينية في باريس ليلى شهيد عادت أمس وبعد ثلاثة أيام من وفاة عرفات لتؤكد للجزيرة نت أن احتمال موت الزعيم الفلسطيني بالسم مازال قائما.

ورثة عرفات مطالبون بالتحقيق في سبب موته (الفرنسية)
وقالت في تصريحات صحفية "من المحتمل أن يكونوا قد دسوا السم له كما سمموا آخرين، لا يمكنني أن أقول إن لدينا الأدلة الطبية على ذلك" مشددة على أن الأطباء الذين أشرفوا على علاج عرفات بباريس أشاروا إلى وجود سموم بجسمه لا توجد بأجسام المرضى العاديين، وأضافت "سيبقى ذلك لغزا يرافق أسطورة عرفات".

وبشكل يعكس التضارب بتصريحات القيادة الفلسطينية أكد مستشار وزير الإعلام السابق ياسر عبد ربه للجزيرة نت أن السلطة تنتظر التقرير الطبي النهائي حول مرض عرفات، مشيرا إلى أن التقرير الأولي لم يظهر وجود سموم بجسم الرئيس، رافضا التعليق على تصريحات ليلى شهيد الأخيرة.

أين التحقيق؟
وإزاء هذه البلبلة والغموض في تشخيص أسباب موت زعيم تاريخي تساءل الكثير من المراقبين: كيف توافق القيادة الفلسطينية على دفن الرئيس قبل أن يصدر تقرير طبي نهائي حول سبب الوفاة؟ وهو السؤال الذي أكد سكرتير المبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي على مشروعيته، مشددا على ضرورة إجراء تحقيق حول أسباب وفاة عرفات.

وقال البرغوثي في اتصال هاتفي للجزيرة نت "لو تطلب الأمر إخراج جثة الرئيس من القبر لتشريحها ومعرفة الحقيقة، لا بد من فعل ذلك حتى يطمئن الفلسطينيون كيف مات زعيمهم" مشيرا إلى أنه لو صحت الشكوك بموت عرفات مسموما فإن ذلك له معان كبيرة "أولها أن الذين قتلوا عرفات أرادوا أن يقضوا على حقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية".

وأشارت عضو المجلس التشريعي حنان عشراوي إلى أن الأطباء كانوا قد قالوا منذ البداية إن تكسر صفائح الدم الذي أصاب عرفات إما أن يكون ناجما عن سرطان اللوكيميا أو عدوى فيروسية أو تعرضه للسم، مؤكدة للجزيرة نت أن الأطباء أسقطوا الاحتمالين الأولين.

أما طبيب عرفات الخاص أشرف الكردي فقد أكد للجزيرة نت أن كل الأسئلة المتعلقة بوفاة عرفات يجب أن توجه الآن للقيادة الفلسطينية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بسبب عدم إجراء تحقيق حتى الآن.

وكان الكردي الذي لم يسمح له بالإشراف على علاج عرفات بمراحله الأخيرة قد طالب بتشريح الجثة منذ تردد الأنباء عن وفاته سريريا، وهو الذي أثار منذ البداية تساؤلات كبيرة حول الغموض الذي تم التعامل به مع مرض الرئيس منذ نقله لمستشفى بيرسي الفرنسي العسكري.

إسرائيل تحدثت عن مكان دفن عرفات قبل أن يشخص الأطباء حالته (رويترز)
لماذا إسرائيل؟
منذ اللحظة الأولى لتردد أنباء حول تعرض عرفات للسم اتجهت أصابع الاتهام نحو الحكومة الإسرائيلية التي لم تنفك طوال العامين الماضيين تؤكد -تحت تشجيع أميركي- رغبتها بالخلاص من عرفات.

وكانت صحيفة إسرائيلية قد ذكرت قبل فترة أن جهاز الأمن الإسرائيلي قرر التخلص من عرفات بأية طريقة، ولكن دون ترك أثر يدل على الفاعل.

وفي هذا السياق يشير القيادي بحماس محمد نزال إلى أن السم الذي تعرض له رئيس المكتب السياسي بالحركة خالد مشعل عام 1997 في عمان على أيدي عملاء الموساد الإسرائيلي، زالت آثاره من الجسم بعد ساعات قليلة، وفور دخول مشعل في غيبوبة عميقة، لم يفق منها سوى بعد إجبار العاهل الأردني الراحل الموساد على إحضار الترياق الخاص بالسم.

وقال نزال للجزيرة نت إن ما يدعو للشك في أن إسرائيل هي وراء موت عرفات، هو أن أحد أطباء عرفات الأردنيين أكد له أن الأعراض التي ظهرت على مشعل فور تعرضه للسم الإسرائيلي هي ذاتها التي ظهرت على عرفات خلال الأسبوعين الأخيرين.

ويشير مراقبون آخرون إلى أنه منذ اللحظة الأولى التي غادر بها عرفات إلى باريس بدأت إسرائيل تتحدث عن وفاته ومكان دفنه بينما كان العالم يتوقع له الشفاء من المرض الغامض الذي ألم به.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة