كلمات مؤثرة.. ابنتا خاشقجي: إشعاع أبينا لن يخبو أبدا وإرثه باق فينا

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

كلمات مؤثرة.. ابنتا خاشقجي: إشعاع أبينا لن يخبو أبدا وإرثه باق فينا

من أقوال الصحفي الراحل جمال خاشقجي: البعض يرحل ليبقى (غيتي)
من أقوال الصحفي الراحل جمال خاشقجي: البعض يرحل ليبقى (غيتي)

"نحن ابنتا جمال خاشقجي ونعد بأن إشعاعه لن يخبو"، هكذا استهلت بنتا الصحفي السعودي المقتول رسالتهما المشتركة في صحيفة واشنطن بوست أمس.

وقالت نهى ورزان خاشقجي في بداية مقالهما إن جمالا كان شخصية عميقة ولكنه بالنسبة لنا -نحن بناته- كان ببساطة "الأب"، وقد كانت عائلتنا فخورة دائما بعمله، وفهمنا الهيبة والعظمة التي كان يراها البعض فيه.

ولكن في حياتنا كان "بابا" رجلا محبا وكبير القلب، وكم أحببنا أخذه لنا في نهاية كل أسبوع إلى المكتبة، كما أحببنا تقليب صفحات جواز سفره لمعرفة الأماكن الجديدة التي يزورها من أختام الدخول والخروج، والتنقيب في قصاصات المجلات والصحف العتيقة المتناثرة على مكتبه.

وأضافتا "عندما كنا أطفالا كنا نعرف والدنا أيضا كرحالة، فقد كان عمله يأخذه إلى كل مكان، ولكنه كان يعود إلينا دائما بالهدايا والقصص الرائعة، وكنا نسهر الليالي بطولها نتساءل أين كان وماذا كان يفعل، غير أننا كنا على ثقة بأنه مهما طال غيابه فسنراه مرة أخرى وأذرعنا مفتوحة بانتظار عناقه وحضنه".

وبالرغم من حلو هذا الحنين ومره، كنا نعرف منذ الصغر أن عمل والدنا يعني أن نشاطه يمتد وراء أسرتنا، وأنه كان رجلا مهما وكان لكلماته تأثيرها الكبير على الأشخاص من مسافة بعيدة.

فطوال حياتنا كان شائعا أن يستوقفنا الناس في الطرقات ويسلموا على أبي ويعربون له عن تقديرهم الكبير له، فبالنسبة لكثيرين كان أبونا أكثر من مجرد شخصية عامة، فقد مس عمله حياتهم بقوة وأثر فيهم شخصيا ولا يزال كذلك.

ومضت نهى ورزان تقولان "لقد نشأنا على حب والدينا للمعرفة. فقد كانا يأخذاننا إلى عدد لا يحصى من المتاحف والمواقع التاريخية، وبينما كان أبونا يقود سيارته من جدة إلى المدينة، كان يشير إلى مناطق مختلفة ويحكي لنا أهميتها التاريخية، وكان يحيط نفسه بالكتب دائما ويحلم باقتناء المزيد منها".

كرسي جمال خاشقجي فارغا برسم ابنته رزان (واشنطن بوست)

وفي كل ما قرأه لم يكن يحابي أبدا، وكان يستوعب كل رأي بالكامل، وقد علمه حبه للكتب أن يبني أفكاره الخاصة، وعلمنا أن نفعل الشيء نفسه.

وكانت حياته سلسلة من المطبات والمنعطفات غير المتوقعة، وكنا جميعا في المركب نفسه. ولا يستطيع كثير من الناس القول إنهم قد طردوا من الوظيفة نفسها مرتين، وهذا ما حصل له عندما كان رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية، ولكن مهما حدث كان متفائلا ويرى في كل تحد فرصة جديدة.

وكان لأبينا جانبه البراغماتي بالتأكيد، ولكن في أحلامه وطموحاته، وكان يسعى دائما للوصول إلى نسخة مثالية من الواقع. وهذا -كما كنا نعتقد- هو ما ألهم طبيعته الحساسة، فقد كان من المهم للغاية عنده أن يفكر بصوت مسموع وأن يتشارك آرائه مع من حوله لينشئ نقاشات صريحة.

ولم تكن الكتابة مجرد وظيفة بل كانت دافعا لا يقاوم، وكانت محفورة في جوهر هويته وهي ما أبقت عليه حيا حقا. والآن كلماته هي التي تحافظ على روحه معنا ونحن ممتنون لذلك، فهي تقول لنا "كان هنا رجل عاش الحياة حقا على أكمل وجه".

وتابعت نهى ورزان "عندما كنا في فيرجينيا خلال رمضان كشف لنا والدنا العالم الذي بناه لنفسه على مدى العام الماضي، وعرّفنا بأصدقائه الذين رحبوا به وأرونا الأماكن التي كان يتردد عليها. وبالرغم من ارتياحه في البيئة التي كان فيها فإنه كان دائما ما يتحدث عن شوقه لرؤية وطنه وعائلته وأحبائه".

ولا ننسى عندما أخبرنا عن اليوم الذي غادر فيه السعودية وهو واقف على عتبة باب البيت، متسائلا عما إن كان سيقدر له أن يعود إليه أبدا. ولفترة قصيرة من الزمن بنى والدنا حياة جديدة لنفسه في الولايات المتحدة وحزن على المنزل الذي غادره.

وطوال محنه وأسفاره، لم يقطع الأمل أبدا في بلده لأنه في الحقيقة لم يكن معارضا، بل كان كاتبا متأصلا في هويته. وبعد أحداث الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، زارت أسرتنا منزل الوالد في فرجينيا، وكان أصعب جزء علينا هو رؤية كرسيه فارغا، فقد كان غيابه يصم الآذان وبإمكاننا رؤيته وهو جالس هناك ونظارته على جبهته يقرأ أو يكتب.

وعندما نظرنا إلى متعلقاته عرفنا أنه اختار الكتابة بلا كلل على أمل أنه عندما يعود إلى المملكة ربما تكون قد تغيرت إلى مكان أفضل له ولكل السعوديين.

وختمت نهى ورزان مقالهما بأنه ليس تأبينا، لأن ذلك من شأنه أن يوحي بحالة من الإغلاق، لكن هذا المقال بالأحرى وعد بأن إشعاعه لن يخبو أبدا، وأن إرثه سيكون محفوظا داخلنا، وقد قالها بابا بشكل أفضل "البعض يرحل ليبقى"، وقد ثبتت صحة مقولته اليوم. ونحن نشعر بنعمة الله علينا أننا تربينا على بوصلته الأخلاقية واحترامه للمعرفة والحقيقة ومحبته، حتى نلتقي مرة أخرى في الجنة.

المصدر : واشنطن بوست