هل ينبغي على الولايات المتحدة أن تستخدم قوتها التي لا يشق لها غبار في نشر الديمقراطية وتعزيز قياداتها للنظام العالمي الليبرالي الذي أرسى استقرارا وأمنا دام عقودا لكنه بات يئن تحت وطأة توتر متصاعد في السنوات الأخيرة؟ أم أن من الأفضل خدمة المصالح الأميركية بالكف عن مزيد من التدخلات في الشؤون الدولية؟

بهذين السؤالين استهلت الباحثة كوري شاك مقالا تحت عنوان "هل تتخلى واشنطن عن النظام العالمي؟ منطق التراجع الزائف"، نشرته لها مجلة فورين أفيرز الأميركية.

وذكرت الكاتبة أن إدارة الرئيس أوباما أحدثت خلال السنوات الثماني الماضية تغيرا في لغة الحوار بانتهاجها إستراتيجية تقليص الوجود العسكري الأميركي بالخارج والتنافس مع الخصوم لكي يتسنى له التركيز على الأهداف المحلية.

ولطالما سعى أوباما للحد من تورط الولايات المتحدة خارجيا والنأي عن سياسة التدخل الرامية للهيمنة، والتحول أكثر إلى ما يشبه إستراتيجية "التوازن الخارجي"، وبإمكان الرئيس المنتخب دونالد ترمب المضي قدما بالسياسة الخارجية في هذا الاتجاه.

ولا يستخدم أوباما مصطلح "التقليص" أو "التوازن الخارجي" لوصف إستراتيجيته، بل ظل يعلنها صريحة للصحفيين أنه يعتقد بأنه ابتدر تحولا تاريخيا في ارتباط واشنطن بالعالم، حيث حرر إدارته من ربقة مؤسسة السياسة الخارجية التقليدية التي أغرقت الولايات المتحدة في مستنقع الالتزام المفرط المكلف ماديا وأخلاقيا.

التوازن الخارجي  ينطوي على تكاليف طائلة تتكبدها واشنطن باستجابتها سريعا لأي مشكلة أينما تطرأ. فالأمر يتطلب أموالا كثيرة وجهدا جبارا لتشكيل قوات عسكرية ونشرها واستقطاب حلفاء لمعالجة مشكلة بعينها وصياغة إستراتيجية مشتركة

غير أن اثنين من الأصوات البارزة داخل تلك المؤسسة، هما روبرت ليبر وإليوت كوهين، نشرا كتبا هامة في تقييم نهج أوباما وتوصلا إلى أنه "ضعيف"، وكلا الرجلين وجها انتقادات حادة إلى سياسات الرئيس وما تستند إليه من فرضيات وأفكار.

ويحاول الاثنان بذلك إقناع الأميركيين بالنظر مرة أخرى في مزايا ممارسة القوة الأميركية والعسكرية بشكل أكثر فاعلية.

ومضت كوري شاك إلى القول إن من العسير معرفة الدروس والعبر التي يعتقد ترمب أن على واشنطن تعلمها من التدخلات الأخيرة، أو كيف لتلك الخبرات المتراكمة أن تؤثر في مقاربته لاستخدام القوة الأميركية.

ويروج بعض المراقبين لاحتمال أن يقود الولايات المتحدة أكثر نحو إستراتيجية توازن خارجي أشمل من تلك التي ظل عليها أوباما، وقد أوعز ترمب أحيانا إلى أنه قد يعمد إلى تقليص التزام أميركا تجاه حلف الناتو وجعل تعاون واشنطن مع حلفائها يقوم أكثر على مبدأ التبادل الصريح، أو أنه قد يطلق يد روسيا في أوروبا الشرقية وسوريا.

ويزعم المدافعون عن التوازن الخارجي أن هذه الإستراتيجية ستكون فعالة من حيث التكلفة أكثر من الهيمنة الليبرالية، رغم أنه في ضوء الوضع الراهن مازالت واشنطن تتولى مهمة سداد تكلفة القوات العسكرية المنتشرة في العالم ودعم مؤسسات النظام الليبرالي العالمي ماديا.

غير أن التوازن الخارجي -برأي كاتبة المقال- ينطوي على تكاليف طائلة تتكبدها واشنطن باستجابتها سريعا لأي مشكلة أينما تطرأ، فالأمر يتطلب أموالا كثيرة وجهدا جبارا لتشكيل قوات عسكرية ونشرها واستقطاب حلفاء لمعالجة مشكلة بعينها وصياغة إستراتيجية مشتركة.

وخلصت كاتبة المقال إلى أن كل إدارة أميركية جديدة تتيح فرصة لإعادة النظر في السياسة الخارجية، ونصحت الرئيس الجديد بأنه ليس بحاجة إلى تهديد النظام الليبرالي العالمي أثناء انشغاله بإجراء بعض التعديلات اللازمة التي ستخلق أرضية مشتركة أكثر مع الخصوم وغيرهم التي من شأنها طمأنة الحلفاء.

وحده الزمن كفيل بأن يكشف لنا ما إذا كان ترمب قادرا على إيجاد ذلك التوازن.

المصدر : فورين أفيرز