قال باحثان أميركيان إن الولايات المتحدة صاحبة أقوى اقتصاد في العالم تستعين في الغالب الأعم بجبروتها العسكري بدلاً من قوتها الاقتصادية في سياستها الخارجية، تاركة المجال لدول مثل الصين وروسيا لمد نفوذهما الدولي.

وأضاف الباحثان روبرت لاكويل وجنيفر هاريس في مقال بمجلة فورين أفيرز، أن الولايات المتحدة ظلت طوال العقود الماضية غافلة عن تقليد يعود إلى الآباء المؤسسين للدولة، يقوم على مبدأ الاستعانة بالأدوات الاقتصادية في تحقيق المآرب الجيوسياسية، وهو نمط من الممارسة يطلق عليه اليوم مصطلح "الجغرافيا الاقتصادية".

وقد كانت عواقب تلك الغفلة عميقة التأثير، ذلك أنه ما إن أصبحت إدارة الاقتصاد "فناً منسياً" في الولايات المتحدة حتى انبرى أعداؤها لتبنيه. فالصين وروسيا ودول أخرى تتطلع اليوم للاقتصاد بوصفه ملاذا أول لتقويض قوة أميركا ونفوذها.

وقال الكاتبان اللذان يعملان في مجلس العلاقات الخارجية -وهو أحد مراكز الدراسات في أميركا- إن انصراف الولايات المتحدة عن اتباع هذا النهج يقلل ثقة حلفائها الآسيويين والأوروبيين فيها، ويشجع الصين على ترهيب جيرانها وإضعاف قدراتهم على مقاومة إغراءاتها ويطلق لبكين العنان في الدول الهشة في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

ومن شأن تجاهل القوة الاقتصادية أن يتيح لروسيا إخضاع معظم دول الاتحاد السوفياتي السابق لإرادتها، كما أنه يُضعف النفوذ الأميركي في العواصم العربية الصديقة، فيتفشى الفقر وينتعش التطرف الإسلامي، حسب تعبير المقال.

وبرأي الباحثين، فإن تلك المآلات تفضي إلى تراكم المخاطر فتتحول مع مرور الزمن إلى "عيوب بنيوية" قد يتعذر على واشنطن معالجتها.

وسرد الكاتبان أحداثاً كثيرة منذ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين أدركوا أن الاستقلال الحقيقي لبلادهم لن يتحقق إلا بالاكتفاء الاقتصادي، بل إن من جاء بعدهم من رؤساء استعانوا "غريزياً" بالاقتصاد وسيلة مفضلة لحماية دولتهم الوليدة من جموح البلدان الأوروبية وجشعها.

العديد من دول العالم تبدي اليوم ارتياحاً لتوظيفها الأدوات الاقتصادية التي تمتلكها في تعزيز قوتها على حساب واشنطن في أغلب الأحيان. فالصين، على سبيل المثال، تعمد إلى تقليص وارداتها من السيارات اليابانية لإبداء عدم رضائها عن سياسات طوكيو الأمنية

وإبان الحرب العالمية الأولى طرأ تحول في علاقة الولايات المتحدة بالجغرافيا الاقتصادية، ففي البدء تشبثت بسياسة الحياد في التجارة. بيد أنها ما إن دخلت الحرب في عام 1917 حتى بدأت تنتهج سياسة الحظر الاقتصادي "القاسية".

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها أطلقت الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، لكنّ مهندسي تلك السياسة أخفوا دوافعها الجيوسياسية. وخلال الحرب الباردة لجأت واشنطن لسياسة الاحتواء بمفهومها العسكري.

واستمرت الحال على ذلك المنوال حتى وصول ريتشارد نيكسون إلى كرسي الرئاسة، وحينذاك بدأت حقبة من تجاهل أهمية الجغرافيا الاقتصادية في بسط نفوذ الدولة.

بيد أن الباحثين لا يلقيان اللوم على نيكسون وحده في ذلك. فالحكومات الأميركية لم تعد مفتونة بالجغرافيا الاقتصادية، حتى الكونغرس أبدى كثيراً من الارتياب بشأن استخدام التجارة ضمن أدوات السياسة الخارجية.

وخلص المقال إلى أن العديد من دول العالم تبدي اليوم ارتياحاً لتوظيفها الأدوات الاقتصادية التي تمتلكها في تعزيز قوتها على حساب واشنطن في أغلب الأحيان. فالصين، على سبيل المثال، تعمد إلى تقليص وارداتها من السيارات اليابانية لإبداء عدم رضائها عن سياسات طوكيو الأمنية، وإلى جعل الموز الفلبيني يتعفن عند مرافئها كذريعة للاحتجاج على مواقف مانيلا من النزاع على الجزر في بحر جنوب الصين.

أما روسيا فتلجأ إلى حظر وارداتها من النبيذ من مولدوفا لتعبّر عن رفضها تعزيز الأخيرة تعاونها مع الاتحاد الأوروبي. كما تقلص موسكو بصورة متكررة إمدادات الطاقة التي تزودها لجاراتها في حال حدوث أي خلاف سياسي معها.

المصدر : فورين أفيرز