وصفت صحف بريطانية قصف حلب ونزوح عشرات الآلاف منها بأنه أسوأ مأساة في الحرب السورية، وستكون له نتائجه الكبيرة على هذه الحرب وعلى أوروبا والعلاقات بين روسيا والغرب. كما توقع أحد الكتاب أن تتجه أنظار النظام السوري بعد حلب إلى الرقة وتدمر.

وقالت صحيفة تايمز في تقرير لها إن عشرات الآلاف من النازحين أصبحوا عالقين الليلة الماضية على الجانب السوري من الحدود مع تركيا واتخذوا من الأرض المفتوحة مكانا للنوم في طقس بارد، بينما تقول منظمات العون إن القصف الروسي تسبب في أسوأ أزمة إنسانية خلال الحرب في سوريا.

وأضافت الصحيفة أن المنطقة شمال حلب فاضت بالنازحين، ونقلت عن مدير عمليات ميرسي كوربس (فيالق الرحمة) راي ماكقراس قوله إن هناك ما بين 70 و80 ألفا على الطريق، بالإضافة إلى الآلاف الموجودين في أعزاز والمدن شمال حلب.

ناتالي نوغايريد:
الهدف من الهجوم على حلب هو القضاء على مفاوضات جنيف وعلى أي فرصة للمعارضة المعتدلة كي يكون لها رأي في تحديد مستقبل البلاد، والقضاء على أي خطط للغرب والأمم المتحدة بشأن سوريا

وخاطب ماكقراس المجتمع الدولي قائلا إن هذا ليس وقت الإعراب عن الاستنكار والإدانة للقصف الذي لا يميز بين مدنيين ومسلحين، في إشارة إلى ضرورة الإسراع بإغاثة النازحين.

مسار جديد
أما صحيفة ذي غارديان فقد نشرت مقالا للكاتبة ناتالي نوغايريد تقول فيه إن ما يحدث في حلب سيشكل مستقبل أوروبا، "لقد أخذت الأوضاع في سوريا مسارا جديدا ستكون له نتائج ليس على المنطقة فحسب، بل على أوروبا أيضا".

وقالت نوغايريد إن الهجوم على حلب هو لحظة التغيير في العلاقة بين الغرب وروسيا لأنه يقضي على وجود المعارضة في المدينة ويقضي على أي أمل في التوصل إلى تسوية معها. وأضافت أن هذا هو الهدف الذي عملت له روسيا منذ فترة طويلة، وهو الدافع الرئيسي للتدخل الروسي في سوريا قبل أربعة أشهر.

وذكرت أنه ليس من الصدفة أن يبدأ قصف حلب مع بداية مفاوضات جنيف، و"الهدف من هذا الهجوم هو القضاء على المفاوضات وعلى أي فرصة للمعارضة المعتدلة كي يكون لها رأي في تحديد مستقبل البلاد، والقضاء على أي خطط للغرب والأمم المتحدة بشأن سوريا".

دروس لأوروبا
وأضافت نوغايريد أنه إذا كان هناك ثمة ما تعلمه الأوروبيون من عام 2015 فهو أنه لا مجال لهم لحماية أنفسهم من عواقب الصراع في الشرق الأوسط ولا الصراع في أوكرانيا، وأن روسيا لن تكون صديقا على الإطلاق.

نوغايريد:
بوتين بدأ يفكر في تحقيق أهدافه منذ 2013 عقب اللحظة التي تراجع فيها الرئيس أوباما عن تنفيذ وعيده والالتزام بخطه الأحمر للرئيس الأسد إثر استخدام الأخير الأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري

وقالت إن أحداث حلب تُبرز أكثرَ من أي أحداث أخرى في الحرب السورية العلاقة بين المأساة السورية والإضعاف الإستراتيجي لأوروبا والغرب عموما. وأوضحت أن روسيا في سعيها للهيمنة، هدفت إلى نشر الفوضى باستغلال تردد الغرب والتناقضات بين دوله.

وأوردت أن الهجوم على حلب سيعزز موقف تنظيم الدولة الإسلامية ويمكّنه من نشر دعايته بأنه هو المدافع الوحيد عن المسلمين السنة، كما أنه سيترك الغرب بلا حليف داخل سوريا، مشيرة إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كرر إستراتيجيته في الشيشان بالهجوم الشامل على المناطق المدنية لتحطيم المعارضة أو إجبارها على الانسحاب والتخلص من أي مساعٍ للتفاوض.

تراجع أوباما
كما أشارت نوغايريد إلى أن أهداف روسيا لا تقف عند ما ذكرته وتأكيد قوة موسكو في الشرق الأوسط، بل تمتد إلى أوروبا، وأن بوتين بدأ يفكر في تحقيق أهدافه منذ العام 2013 عقب اللحظة التي تراجع فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تنفيذ وعيده والالتزام بخطه الأحمر للرئيس السوري بشار الأسد إثر استخدام الأخير الأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري.

وأوضحت أن تراجع أوباما شجع بوتين على اختبار عزم الغرب في أوروبا نفسها، فتدخل في أوكرانيا واستولى على شبه جزيرة القرم وهزّ أركان نظام الأمن الأوروبي الذي استقر بعد الحرب العالمية الثانية "لأن بوتين يرغب في تعديل هذا النظام"، كما أن تدخله في سوريا قد أدخل حلف الناتو في ورطة مع أحد أعضائه على الخطوط الأمامية، أي تركيا.

ونشرت ذي إندبندنت مقالا للكاتب روبرت فيسك وصف فيه استيلاء النظام السوري على كامل حلب بأنه أكبر انتصار له في الحرب، وتوقع أن تتجه أنظار النظام بعد ذلك إلى الرقة وتدمر، كما توقع ألا تتدخل تركيا في سوريا "لأن ذلك من شأنه أن يكون كابوسا لواشنطن وموسكو على السواء، وربما يضع العالم على أعتاب حرب عالمية جديدة".

المصدر : الصحافة البريطانية