مخطئ من يظن أن القوة العسكرية الأميركية قادرة على إحراز انتصارات في كل أزمة أو دولة أو ساحة قتال. فالهزائم الإستراتيجية -كما يصفها باحث أميركي في مقال بمجلة نيوزويك- غالباً ما تكون نتاج تراكم "إخفاقات تكتيكية".

وحدد الباحث مارك مويار في مقاله عدة أخطاء واضحة وقعت فيها الولايات المتحدة أثناء تدخلها في عدد من الدول منذ العام 2001 تعكس مدى العجز الأميركي في تحويل النجاحات التكتيكية إلى انتصارات إستراتيجية. وفي كل حالة كان الخطأ نتيجة مباشرة لقرارات رئاسية تتعلق بالسياسة أو الإستراتيجية، بل إن بعض تلك القرارات جاءت متناقضة تناقضا مباشرا مع نصائح الجيش.

ومع ذلك فإن الجيش يمكن أن يكون مسؤولا عن بعض الأخطاء التكتيكية المهمة كجهله بأساليب "مكافحة التمرد" في أوائل سنوات حرب العراق. بيد أن الجيش تمكّن في نهاية المطاف من تصحيح مشاكله التكتيكية الكبيرة، كما يقول الكاتب.

ورأى مويار أن ما سماه "عدم الكفاءة" المتمثل في سوء التقدير وغياب التنظيم ساهم بشكل كبير في ارتكاب إدارتي الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما تلك الأخطاء.

ومن أبرز الأخطاء التي تناولها الكاتب في مقاله الثقة الزائدة في قدرة الولايات المتحدة على إحداث تحول ديمقراطي في الأنظمة الحاكمة في الدول التي تدخلت فيها عسكرياً. فالرئيس بوش ومستشاروه ظنوا أن بمقدورهم تحويل الحكومات المعادية لأميركا في العراق وأفغانستان إلى أنظمة ديمقراطية قادرة على صون الأوضاع الداخلية وكبح جماح "المتطرفين" بنفسها.

من بين الأخطاء السبعة التي ارتكبها الجيش الأميركي اعتماده المفرط على الضربات الجوية الجراحية باستخدام الطائرات المسيَّرة في حروبه في أفغانستان واليمن وضد تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية

ولهذا السبب لم تنشر الإدارتان قوات أميركية بأعداد كافية لمكافحة ما سماه الكاتب بالتمرد بعد تغيير نظامي الحكم في العراق وأفغانستان، وهو ما عكس سوء فهم للفصائل في تلك الدولتين وعدم تقدير للمصاعب التي تكتنف إقامة ديمقراطيات ليبرالية في مجتمعات تسود فيها "تقاليد استبدادية".

وقد تبخرت النجاحات الإستراتيجية الآنية التي حققتها أميركا في أفغانستان والعراق فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، إذ أخفقت الحكومات الديمقراطية الجديدة هناك في إطلاق عمليات عسكرية وسياسية يتطلبها الاستقرار في البلدين.

خطأ آخر يتمثل في سوء انتقاء الحلفاء المحليين، فلطالما زلَّ بوش وأوباما عند اختيارهما أعوانا من داخل المجتمعات المتنافسة لقيادة الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان. فلو أن الولايات المتحدة اختارت أشخاصا آخرين كحلفاء لها لأصابت تجاربها نجاحاً في تحويل الأنظمة إلى ديمقراطيات، ذلك أن القيادة الجيدة -مثلما حدث في بوتسوانا وكوسوفو وتشيلي- تشكل في أغلب الأحيان عاملا حاسما في نجاح الديمقراطيات الناجحة.

يمنيون يتفقدون أنقاض مبنى بمدينة شبوة دمرته غارة أميركية بطائرة مسيّرة (رويترز)

ففي العراق أقصت إدارة بوش البعثيين وضباط الجيش من الحكومة التي تشكلت بعد الحرب، ورهنت الأمر في تلك البلاد لسياسيين عراقيين عاشوا بالمنفى وسياسيين "منبوذين وشيعة" اتضح فيما بعد أنهم دون المتوقع من حيث "الاستقامة وطهارة اليد".

وقال مويار إن القرارات اللاحقة التي صدرت بالعراق بالسماح للبعثيين وضباط الجيش السابقين بالعودة للعمل في الحكومة "ساهمت في استقرار الوضع في البلاد في عامي 2007 و2008". ولكن ما إن أبقى أوباما رئيس الوزراء نوري المالكي -الذي وصفه كاتب المقال بالطائفي الشيعي المتشدد- في السلطة بعد انتخابات 2011 المشكوك في نزاهتها حتى نكص الأخير عما تحقق من تقدم بعزله العديد من هؤلاء بمجرد انسحاب الجيش الأميركي من العراق.

ثم حدث تسرع في حملة مكافحة "التمرد"، وهو ما اعتبره الكاتب خطأ ثالثا. فخلال الفترة من أواخر عام 2003 حتى أواخر 2006، حاولت إدارة بوش التعجيل بشن تلك الحملة في العراق ظناً منها أن تورطاً طويل الأجل هناك من شأنه أن يُنفِّر العراقيين منها ويبدد دعم الرأي العام الأميركي للحرب.

ومن بين أخطاء الجيش الأميركي اعتماده المفرط على الضربات الجوية الجراحية باستخدام الطائرات المسيَّرة (من دون طيار) في حروبه في أفغانستان واليمن وضد تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.

ففي اليمن، جادل ضباط الجيش الأميركي بالقول إنه ينبغي تقديم المساعدة للقوات الحكومية من أجل تأمين المناطق الريفية عن طريق دعم حملتها لمكافحة التمرد. بيد أن إدارة أوباما اختارت الاعتماد بشكل كلي على الضربات "الجراحية" ضد القاعدة في شبه جزيرة العرب.

وطبقا لمتحدث أميركي -لم يشر المقال لاسمه- فإن الضربات الجوية الدقيقة قتلت الآلاف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. غير أنه لا يبدو أن التنظيم قد مسّه الوهن والضعف الآن أكثر مما كانت عليه حاله عندما بدأت الحملة الجوية ضده قبل عام.

فقد اتخذ التنظيم إجراءات مضادة "فعالة" لحماية قادته، وجنّد آلاف من الأتباع الجدد في المناطق التي يحتلها، بالإضافة إلى اجتذابه "متطرفين أجانب"، بل إن الغارات الجوية فشلت في منعه من الاستيلاء على مدينة الرمادي العراقية، التي وصفها كاتب المقال بأنها "أكبر غنائمه".

المصدر : فورين أفيرز