أجمعت كبريات الصحف الأميركية الصادرة اليوم السبت على أن الاتفاق الذي أبرمته
الولايات المتحدة وروسيا وقوى إقليمية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن أمس الجمعة يكتنفه الغموض ويثير كثيرا من التساؤلات.

بل إن صحيفة واشنطن بوست -التي أفردت افتتاحيتها وبعض تقاريرها الصحفية لهذا الموضوع- وصفت الاتفاق بأنه "صفقة رديئة"، و"من غير المرجح أن يؤدي إلى تحسين الوضع في سوريا".

واستهلت الافتتاحية بالتذكير بأن روسيا أرسلت طائراتها لتدك مدينة حلب بعد ساعات من تصويت مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول الماضي على قرار يقضي بوضع حد لقصف المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

وقالت إن إدارة الرئيس باراك أوباما ردت على ما وصفتها بإستراتيجية روسيا "الصارمة والإجرامية" بأن سمحت لـموسكو بتقديم شروطها لفرض هدنة عسكرية.

وأضافت الصحيفة أن إدارة أوباما "وافقت بوهن على صفقة رديئة" من شأنها أن تتيح للقوات الروسية والإيرانية والحكومية السورية "تعزيز وتوسيع مكاسبها، ولتحتل موقعا رياديا في أي مفاوضات بشأن مستقبل سوريا".

ومن وجهة نظر واشنطن بوست، فإن هذا الاتفاق سيجعل موسكو وحلفاءها أقرب لتحقيق هدفهم الرئيسي المتمثل في القضاء على أي قوات في سوريا ما عدا جيش نظام بشار الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية.

وخلصت إلى أن أفضل سيناريو في عالم الواقع بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية و"العجز الأميركي" يكمن في "سلام جزئي" يقسم سوريا إلى مناطق تحت إدارة النظام وتنظيم الدولة، فيما "تحشر قلة من المعارضة والأكراد داخل جيوب محصورة".

اتفاق ساذج
وفي تقرير آخر، شككت واشنطن بوست بجدوى الاتفاق، وأشارت إلى احتمال فشل تطبيقه.

ما يحدث في سوريا ليس حربا عادية، بل حرب معقدة بالوكالة تخوض غمارها قوى إقليمية ضد بعضها البعض، وتُعد بمثابة ساحة للقوى العالمية -أبرزها الولايات المتحدة وروسيا- لتسخير جيوشها من أجل تحقيق غايات مختلفة إن لم تكن متضادة

ولتفسير وجهة النظر هذه، أوضحت الصحيفة أن ثمة العديد من التفاصيل الرئيسية بقيت من دون معالجة، مثل موعد بدء تطبيق الهدنة بالضبط، ومن سيضعها موضع التنفيذ، وما هي الفصائل النشطة على الأرض التي ستقبل بها.

وقالت الصحيفة إن مراكز الدراسات في واشنطن وصفت اتفاق ميونيخ بأنه "انتصار لروسيا"، لأنه يمكنها من تعزيز مكاسبها على الأرض التي تحققت بفضل عمليات القصف الجوي التي تشنها.

وفي تقرير لها من مدينة كيليس التركية على الحدود السورية استقرأت صحيفة نيويورك تايمز آراء بعض المعارضين السوريين هناك بشأن مؤتمر ميونيخ الذي يشارك فيه أكثر من ثلاثين رئيس حكومة ودولة وما يزيد على ستين وزير خارجية ودفاع من جميع أنحاء العالم.

وأفادت بأن العديد من المتحدثين باسم الفصائل المعارضة -التي تعتبرها الولايات المتحدة "معتدلة"- وصفوا خطة وقف إطلاق النار بأنها "ساذجة وخيالية".

وقال هؤلاء إن الخطة تعتريها "ثغرة ضخمة"، إذ تسمح باستمرار الغارات الجوية ضد تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وهي ما يتوقعون أن تستغلها روسيا في مواصلة دكها للمناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة الأخرى.

ونوهت نيويورك تايمز بأن روسيا والولايات المتحدة كلتيهما تعتبران تنظيم الدولة وجبهة النصرة جماعتين إرهابيتين، بيد أن قادة المعارضة يقولون إن روسيا منذ بدئها حملة القصف الجوي -شأنها شأن الحكومة السورية- تدمغ بـ"الإرهاب" كل المعارضين للرئيس الأسد.

وأدلت صحيفة وول ستريت جورنال هي الأخرى بدلوها فذكرت أن اتفاق ميونيخ قوبل بالريبة والاستخفاف من قبل الأطراف المتحاربة، كما اكتنفه الغموض في ما يتعلق بالمناطق التي سيشملها وقف إطلاق النار وكيفية إيصال المساعدات بالسرعة المطلوبة.

وأشارت إلى أن كثرة التفاصيل التي لم تعالج بعد، والنجاح المحدود لاتفاقيات الهدنة السابقة في سوريا قللا الآمال المرجوة من الصفقة لإحداث اختراق ينهي الصراع هناك.

من جانبها، بدت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أميل للتفاؤل من وصيفاتها الأميركيات، فقد رأت أن هذه الهدنة التي جاءت بعد تعثر العديد من الاتفاقيات السابقة تمزج بين المساعدات الفورية وخطة لعقد مزيد من محادثات سلام تتطور في ما بعد إلى اتفاق طويل الأجل لوقف إطلاق النار.

غير أن هذه العملية -كما تورد الصحيفة- تكشف إلى أي مدى أصبح مصير سوريا نهبا لمناورات القوى العالمية في منطقة الشرق الأوسط.

وخلصت كريستيان ساينس مونيتور إلى القول إن ما يحدث في سوريا ليس حربا عادية، بل حرب معقدة بالوكالة تخوض غمارها قوى إقليمية ضد بعضها البعض، وتعد بمثابة ساحة للقوى العالمية -أبرزها الولايات المتحدة وروسيا- لتسخير جيوشها من أجل تحقيق غايات مختلفة إن لم تكن متضادة.

المصدر : الصحافة الأميركية