أشارت مجلة "شؤون دولية" الأميركية إلى الهجوم الذي تشنه القوات العراقية والتحالف الدولي على تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل، وتساءلت عن الحدث التالي وقالت إن معركة الرقة أكثر تعقيدا.

وأوضحت من خلال مقال تحليلي للكاتب أندرو بيك أن القوات الحكومية العراقية دخلت أخيرا مدينة الموصل آخر معاقل تنظيم الدولة في العراق نهاية الشهر الماضي، وأضافت أن هذه المعركة تمثل تحولا حاسما في هجوم استمر عامين لإضعاف وتقويض سيطرة التنظيم العنيدة على مساحات واسعة في كل من العراق وسوريا.

وقالت إن استعادة ثاني أكبر مدينة عراقية من سيطرة تنظيم الدولة -التي سبق له اجتياحها منتصف 2014- من شأنه أن يلحق الضرر بشرعية وجود تنظيم الدولة إلى حد كبير، وأن يضعف جدوى وجود ما يسمى "الخلافة"، وأن يشل قدرته على الوصول إلى 425 مليون دولار من احتياطيات العملة التي سبق أن سرقها من البنك المركزي في مدينة الموصل.

وأشارت إلى أن قوات التحالف بدأت تزحف لمهاجمة مدينة الرقة عاصمة تنظيم الدولة في سوريا، وأن قتالا أكثر شراسة مما يجري في الموصل ينتظر قوات التحالف في الرقة، وأن الوضع في سوريا أكثر تعقيدا مما عليه في العراق.

مقاتلون من وحدات حماية الشعب الكردية مبتهجون بعد عودتهم من تل أبيض بمحافظة الرقة منتصف 2015 (الأوروبية)
معركة الرقة
وأوضحت "شؤون دولية" أن الولايات المتحدة تدعم الحكومة المركزية الشيعية في بغداد، وأنها تشن الغارات الجوية لدعم المليشيات الشيعية التي تهاجم تنظيم الدولة، ولكن أميركا تفتقر في سوريا إلى القوات البرية الموثوقة.

وأضافت أن الرئيس السوري بشار الأسد لا يريد تدمير "الخلافة" قبل أن يخلصه تنظيم الدولة من المزيد من مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة المناوئة للنظام، مثل مقاتلي الجيش السوري الحر المنتشرين في المناطق المحيطة بحلب، الذين يمكن اعتبارهم بديلا محتملا لنظام الأسد.

وأشارت المجلة إلى أن النظام السوري وحلفاءه الروس يفضلون أن يختار الغرب ما بين الأسد وتنظيم الدولة، وأنهم يعرفون أن الغرب لن يختار تنظيم الدولة بطبيعة الحال.

ومن هنا فإنه ليس مستغربا أن الحملة الجوية الروسية في سوريا قد استهدفت -على مدى أشهر- مقاتلي المعارضة المناوئة للأسد بشكل شرس وساحق وشامل، أكثر من استهدافها تنظيم الدولة.

روسيا تستخدم قاذفات إستراتيجية عملاقة من طراز تي.يو22 أم3 في القصف على سوريا (رويترز)
تهديد مميت
وقالت المجلة إن المعارضة السورية تعرف أنه ليس لدى الولايات المتحدة قابلية للإطاحة بالأسد، وإن المعارضة تنظر إلى الأسد وحلفائه الروس على أنهم يشكلون تهديدا مميتا لها، وإن تنظيم الدولة لم يعد يشكل لهم تهديدا حيث أصبح هو نفسه في موقف دفاعي.

وأضافت أن لا يوجد أي دليل على أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قد تواجه الهجمات الجوية الروسية أو قد تزوّد المعارضة السورية بالسلاح بما فيه الكفاية للدفاع عن نفسها، فأميركا لم تدعم المعارضة كما ينبغي منذ نحو عامين، ولم تساعدها بشكل كبير حتى وآفاق الهزيمة تلوح في حلب.

وأوضحت أن النتيجة كانت أن محاولات أميركا لتدريب مقاتلي المعارضة كي يواجهوا تنظيم الدولة لم تسفر عن الكثير، مشيرة إلى أن المعارضة ليست مجموعة متجانسة، وأن هذا الوصف ينطبق على داعميها الخارجيين، لكن مجموعات المعارضة المختلفة كلها تقاتل الآن صفا واحدا في حلب.

وقالت المجلة إن القوات الوحيدة الفاعلة في سوريا في مواجهة تنظيم الدولة هي القوات الكردية التي تقاتل تحت راية قوات سوريا الديمقراطية، وإن هذه القوات تشكل الجزء الأكبر من القوات التي تقف وراء الهجوم الأخير على الرقة، ولكنها في موقف هش وضعيف.

إيزيدية انضمت إلى قوات البشمركة في بلدة بعشيقة شرقي الموصل (رويترز)
قوات كردية
وأضافت "شؤون دولية" أن الأسد أعلن عزمة استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وأن حلفاءه العراقيين سيصلون إلى الحدود الشرقية للأكراد في سوريا، وذلك بعد استعادة السيطرة على مدينة الموصل في العراق.

وأشارت إلى أن تركيا تركز حملتها الآن ضد كل من تنظيم الدولة والمسلحين الأكراد في شمال سوريا، وأن أنقرة طلبت من واشنطن آخر الشهر الماضي منع الأكراد من دخول الرقة، وذلك لصالح القوات المدعومة من تركيا نفسها.

وقالت المجلة إن اللعنة المستمرة التي تطارد الأكراد تخيم عليهم الآن مرة أخرى، وهي المتمثلة في عدم وجود حليف دولي يدعمهم، وأضافت أنه رغم أن روسيا كانت ودية بالنسبة لقضية الأكراد، فإنها لن تعارض عميلها الأسد لصالح الأكراد.

وأوضحت أن الأمل الوحيد للأكراد الآن يتمثل في الولايات المتحدة، وأن وجود القوات الأميركية الخاصة إلى جانب المقاتلين الأكراد من شأنه أن يشجعهم. ولكن من غير المرجح أن تدعم أميركا المقاتلين الأكراد الذين يقاتلون تنظيم الدولة في سوريا ويفتقرون إلى التضاريس الدفاعية التي لدى بني جلدتهم في العراق.

قافلة لمسلحي تنظيم الدولة تنتشر في محافظة الأنبار غربي بغداد مطلع 2014 (أسوشيتد برس) 
أعداء الأكراد
وأوضحت "شؤون دولية" أنه ليس مرجحا أن تبادر الولايات المتحدة بدعم الأكراد السوريين على المدى الطويل ضد أعدائهم المتمثلين في نظام الأسد والعراق وفي عضو حلف شمال الأطلسي (ناتو) المتمثل في تركيا.

وقالت إن الأكراد السوريين يجدون أنفسهم محاطين بالأعداء من ثلاث جهات، وإنهم قد يجدون أنفسهم مضطرين للتركيز على بقائهم والنجاة بأنفسهم.

وعودة إلى تنظيم الدولة، فقد قالت المجلة إن إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة له آثار وتداعيات غير مرغوب فيها بالنسبة للسُنة، فالتنظيم لديه القدرة على إعادة توازن السلطة بين السنة والشيعة.

وقالت "لنفترض أن الأسد سيتمكن من استعادة السيطرة على كامل سوريا، فإن الطريق ستكون ممهدة أمام إيران للوصول إلى البحر المتوسط عن طريق جارين ودودين ممثلين في سوريا ولبنان"، وذلك للمرة الأولى منذ عهد الملك الفارسي أحشويروش الأول (485-465 ق.م).

وأضافت أن إيران سرعان ما تفلت من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بقيادة الولايات المتحدة، الأمر الذي يزيد من قوتها ومنعتها، وذلك في اللحظة التي تمر بها العلاقات الأميركية مع السعودية بأدنى مستوياتها منذ عقود.
خبراء يقومون بصيانة قاذفات روسية من طراز سوخوي24 في قاعدة حميميم باللاذقية بسوريا منتصف العام الجاري (الأوروبية)
التدخل الروسي
وقالت "شؤون دولية" إن ما يزيد الطين بلة هو التدخل الروسي في سوريا، وأوضحت أن هذا التدخل العسكري الروسي بالنيابة عن الأسد -الذي يعتبر الأول من نوعه في التاريخ لاستخدام القوة العسكرية الروسية في الشرق الأوسط دون منازع- يشكل درسا قويا في المنطقة.

وأضافت أن دول الشرق الأوسط الآن صارت تحقق غاياتها الآن من خلال القوة الروسية لا الأميركية، وأن روسيا تقف بشكل حازم إلى جانب الدول الشيعية.

وأما الحقيقة المُرة بالنسبة للدول العربية السنية فتتمثل في أن إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة قد يعزز التحالف الإيراني.

وقالت إن الدول السنية الآن تعيش حالة لا يمكن الدفاع عنها من التشبث بنظام إقليمي بهيمنة سنية أوجدته الولايات المتحدة في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وإن هذا النظام بدأ الآن يتداعى.

وأضافت أن حرب أكتوبر أنهت الأسطورة العربية المتمثلة في أن الأسلحة السوفياتية تعتبر أداة فعالة في السياسة، وأنه في مرحلة ما بعد الحرب فإن غلبة القوة الأميركية تعني أن الحلول الأميركية -مثل عملية السلام- كانت على الطاولة، وأن الدول السنية لم تعد تخشى السلطة السوفياتية.

المصدر : فورين أفيرز,الجزيرة