حصل الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على تفويض للإطاحة بالنهج التقليدي في السياسة الأميركية، ولكن هل يتمكن من أن يحول أقواله إلى أفعال؟ سؤال تحاول صحيفة فايننشال تايمز البريطانية الإجابة عليه، فتقول:

ترامب الذي زعم أن الرئيس باراك أوباما ليس أميركيا، تبنى نبرة احترام غير عادية عندما قال له في لقائه الأول بالبيت الأبيض "سيدي الرئيس إنه لشرف عظيم لي أن أكون معك، وأتطلع لأكون معك في مرات عديدة في المستقبل". وأضاف "لقد بحثنا العديد من القضايا المختلفة وبعض الصعوبات".

لقد كان ذلك مؤشرا على التحدي الذي سيواجهه الرجل الذي سيصبح الرئيس الـ45 للولايات المتحدة يوم 20 يناير/كانون الثاني المقبل.

أوراق ترامب
لدى ترامب أوراق قوية يمكنه اللعب بها، فرغم أنه تبرأ من المؤسسة الجمهورية فإن انتصاره ساعد الحزب على الاحتفاظ بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، مانحا الحزب مقاليد السلطة في واشنطن.

وحتى الرئيس الأسبق رونالد ريغان الذي جاء إلى واشنطن من خارج المؤسسة السياسية وأحدث صدمة في أوساط الجمهوريين عندما هزم غريمه جيمي كارتر في انتخابات 1980، كان عليه أن يواجه مجلس نواب ديمقراطيا.

ورغم وجود خطوط متوازية في الوصول إلى البيت الأبيض بين ترامب وريغان، ليس أقلها ردة الفعل الإيجابية للسوق المالية، فإن ثمة اختلافات كبيرة بينهما.

المؤرخ في الشؤون الرئاسية دوغلاس برينكلي يقول إن ريغان كان في صلب سياسة الحزب الجمهوري، لكن ترامب يأتي إلى واشنطن كمحطم للأيقونات. وبينما كان ريغان يعلم طريقه إلى واشطن، يبقى ترامب مبتدئا.

ترامب تحدى الأعراف السياسية عندما اختار مواقف مناهضة للحزبين: العداء لصفقات التجارة الحرة وخطط لمشاريع إنشاءات حكومية كبيرة يتبناها الديمقراطيون، وخفض الضرائب وتخفيف الضوابط اللذين يتبناهما الجمهوريون، وهذا جعل المطلعين في الكونغرس يتوقعون الأجندة التي قد يتبعها ترامب.

فريق ترامب
الفريق الذي سيختاره ترامب في إدارته سيكون في غاية الأهمية، فخلال حملته الانتخابية اعتمد ترامب على أفراد عائلته ومدراء حملات انتخابية سابقين، وقد وردت أسماؤهم ككبار موظفين محتملين، ولكن السؤال المطروح: هل سيلجأ ترامب إلى شخصيات معروفة مثل رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري رينس بريبوس الذي يملك علاقات طيبة مع رئيس مجلس النواب بول ريان وزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونويل؟

ريغان اتخذ خطوة جريئة عندما وظف جيمس بيكر، وهو محام من تكساس وخبير في المؤسسة السياسية بواشنطن، وهو الذي أدار حملة جورج بوش الأب مع ريغان عام 1980.

بعض المقربين من ترامب يتوقعون أن يسلم نائبَ الرئيس مايك بنس الكثير من المسؤوليات اليومية، لا سيما أن بنس عمل على مدى ست ولايات في الكونغرس قبل أن يعين حاكما لإنديانا، ولديه علاقات طيبة مع رئيس مجلس النواب.

الأجندة الاقتصادية
أما عناصر الأجندة الاقتصادية التي دفع بها خلال حملته الانتخابية، فإن الترويج لها قد يكون صعبا رغم أن الجمهوريين يهيمنون على الكونغرس.

فحتى ينفذ وعوده بمساعدة صغار الموظفين المنسيين، يتعين على إدارته أن تحقق توازنا بين وعوده الشعبوية لكبح جماح التجارة الحرة ومطالب السوق الحرة في وول ستريت، وبين حلفائه من الشركات الكبيرة التي تشكل دائرته الصغيرة.

كما أن هناك وعودا أكثر إثارة للجدل، منها بناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، و"التدقيق الشديد" في المهاجرين الذين يشكلون قوة عاملة أساسية في الاقتصاد الوطني.

العضو السابق في الكونغرس بارني فرانك يقول إن ترامب يواجه تحديا كبيرا، فهناك فجوة كبيرة بين الموقف العام الذي عرضه لكسب أصوات الناخبين من طبقة البيض العاملة، وبين السياسات التي يتبناها.

ويضيف فرانك أن ترامب يتماهى مع الناخبين بشأن التجارة والهجرة، ولكنه يواجه مشكلة حقيقية في مسألة الإصلاح المالي وخفض الضرائب والقوانين.

وفي ما يتعلق بسياسة الاحتياطي الاتحادي، تبدو تصريحات ترامب شخصية أكثر من كونها نابعة من جذور سياسية.

أما وعوده بتمزيق أو إعادة التفاوض بشأن اتفاقيات مبرمة مثل اتفاقية أميركا الشمالية للتجارة الحرة، والتضييق على ممارسات الصين التجارية التي وصفها بغير العادلة، فإنها قد تهدد مصادر الإمدادات العالمية التي تعتمد عليها الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات، وتلحق ضررا بالمزارعين الذين يعتمدون على الصين باعتبارها سوقا للتصدير، وهو ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت الآثار الجانبية لهذه الوعود قد تقوده إلى تخفيف أجندته الراديكالية.

السياسة الخارجية
وبينما يواجه ترامب تساؤلات عديدة بشأن سياساته الداخلية، فإن مستوى القلق بشأن سياسته الخارجية ربما يكون أكثر.

فالدول من اليابان إلى ألمانيا وبريطانيا تراقب بحذر هل سيتودد ترامب إلى القادة المستبدين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما ينسحب من تحالفات الولايات المتحدة.

فقد تحدّث عن احتمال انسحاب الجنود الأميركيين من اليابان، وحث طوكيو وسول على بحث تطوير الأسلحة النووية -وهو ما يؤدي إلى سباق تسلح في آسيا- وذلك لخفض العبء الأمني الأميركي الخاص بكوريا الشمالية.

كما وعد ترامب بالتراجع عن الاتفاق النووي الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما مع إيران.

وتختم الصحيفة بما قاله جوناثان باول -وهو دبلوماسي بريطاني عمل كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير- في صحيفة ذي غارديان "ما كانت تخشاه بريطانيا على مدى قرن -قدوم رئيس أميركي متعصب ضد الأجانب وحمائي وانعزالي- قد تحقق أخيرا.

المصدر : فايننشال تايمز