قال كاتب إنه وفي هذه الفترة من التاريخ -أطلق عليها مصطلح "عصر ما بعد الحقائق"- يقوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستغلال فيضان المعلومات على الإنترنت للقضاء على الديمقراطية بنشر الأكاذيب التي يصعب تأكيد كذبها.

وأوضح بيتر بومرانزيف -في مقال له بصحيفة تايمز البريطانية اليوم الأحد- أن هناك مفارقة تاريخية في طور التكشف حاليا وهي أن الانتصار الغربي في الحرب الباردة كان أيضا انتصارا لحرية التعبير ضد الرقابة السوفياتية، وأن توفر تكنولوجيا المعلومات اليوم فتح الأبواب أمام فيضان من المعلومات "الأمر الذي يصب في مصلحة الكرملين".

تسويق الكذب
وأضاف الكاتب أن الكذب لم يعد كما كان قبل ثورة المعلومات. ففي عهد الاتحاد السوفياتي السابق وعندما كانت الاستخبارات السوفياتية تروّج في الثمانينيات أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي.آي.أي" هي التي صنّعت فيروس الإيدز وبذلت مجهودا كبيرا لتسويق كذبتها.

وأشار إلى أن موسكو آنذاك أتت بدليل طبي بعرض طاقم من علماء الطب الحيوي من ألمانيا (الشرقية) وقالت إنهم علماء فرنسيون، ونشرت الخبر بالصفحة الأولى بصحيفة هندية وظهرت القصة في ثمانين دولة بثلاثين لغة. وعندما اتهمت الولايات المتحدة السوفيات بنشر الأكاذيب، رد الرئيس السوفياتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف بغضب مستنكرا اتهام نظامه بالكذب.

واليوم، يقول الكاتب: ينخرط بوتين في برنامج ممتد من "الأكاذيب" باستخدام وسائل البث الرسمي ومجموعة كبيرة من المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي على نطاق العالم. وعرض المقال عددا من الأمثلة لما ذهب إليه، مشيرا إلى ما اسماه محاولات الكرملين إثارة المشاعر ضد اللاجئين بألمانيا وبالتالي ضد المستشارة أنجيلا ميركل مثل الترويج لاغتصاب لاجئين فتاة روسية في برلين، والتشكيك في نزاهة الاستفتاء حول استقلال أسكتلندا، وكذلك الترويج لتصنيع أميركا فيروسي إيبولا وزيكا.

النجاح في الترويج
وقال بومرانزيف إنه وفي هذه الفترة لا يهتم الكرملين بالتزوير المعقّد للمعلومات أو بالصور المقنعة، إذ يقوم وبكل بساطة بضخ القصص ونشرها على الإنترنت، فإذا أثبتت وسائل الإعلام السائدة أنها خاطئة يقوم بضخ المزيد، وعلى سبيل المثال عندما نفى بوتين لأول مرة وجود قوات روسية في أوكرانيا ثم أقر بعد ذلك بسهولة أنها موجودة، لم يهتم بأنه يكذب أو لا يكذب بل بنجاحه في الترويج.

واستمر الكاتب يقول إن ثورة المعلومات أحدثت تغييرا كبيرا في الإعلام وتلقي الناس للمعلومات، فماكينات البحث ووسائل التواصل تسمح للناس الآن باختيار ما يرغبون من الأخبار التي تناسب ميولهم وتوجهاتهم والانغلاق في المزيد من التمسك بما لديهم.

وقال أيضا: إذا كنت ممن يؤمنون بأن أميركا مسؤولة عن كل مشاكل العالم، فإن الكرملين سيساعدك على تأكيد هذا الانحياز وتعزيزه، وحتى بالنسبة لمنفتحي الأذهان فإن السيل الهائل من تشويه المعلومات والتضليل اليوم يصيبهم بالتشويش، فإذا قمت بضخ أكاذيب كافية، فسينتهي الناس إلى حالة من التشويش والعجز عن اتخاذ أي قرار بشأن صدق المعلومة أو كذبها، وعندها تصبح الديمقراطية في خطر.

المصدر : تايمز