استمرار تطبيق نظرية الردع التي تعتمد عليها إستراتيجية إسرائيل العسكرية -خاصة على الجبهتين الشمالية والجنوبية- يتطلب الاستعداد لمواجهة أي تصعيد عسكري على إحدى الجبهتين أو كلتيهما.

ورغم عدم وجود رغبة من كل الأطراف في اندلاع موجة قتالية جديدة ترى دراسة إسرائيلية حديثة أن الموقف الميداني في إسرائيل أو لبنان أو غزة قد يتدهور بصورة غير مرغوب فيها. ووجهت الدراسة جملة توصيات لدوائر صنع القرار في إسرائيل لفرض مزيد من الأمن حول حدودها.

وتفيد الدراسة -التي نشرها معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب- بأن عددا من التطورات العسكرية الميدانية التي شهدتها الجبهتان في الأسابيع الأخيرة تعيد إلى الأذهان ضرورة أن تكون إسرائيل في حالة جاهزية دائمة أمام حزب الله في لبنان، وحماس في غزة.

ويؤكد الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين في الدراسة أن الوضع الأمني بالجبهة الجنوبية مع غزة أقل استقرارا مما هو عليه الحال في نظيرتها الشمالية مع لبنان، في ظل وجود مواضع احتكاك دائمة ومتعددة بين إسرائيل والجهات الفلسطينية.

ومن هذه المواضع القيود الإسرائيلية على دخول غزة والخروج منها، وفرض الإغلاق البحري، وحفر الأنفاق داخل الأراضي الإسرائيلية، مما يشير إلى أن حماس لم تتنازل عن دعوتها للقضاء على إسرائيل، وترى في المواجهات العسكرية معها طريقا أساسية لتحقيق ذلك.

مواجهة عسكرية
ويقول يادلين الذي يترأس المعهد إنه يبدو مهما أمام إسرائيل الدخول في مواجهة عسكرية مع أي من الجبهتين بعد استكمال التحقيق في حرب غزة الأخيرة "الجرف الصامد" في 2014، واستخلاص الدروس المطلوبة منها، بحيث يتم العثور على حلول إستراتيجية للتحديات العسكرية التي تواجهها إسرائيل.

أوجه الشبه عديدة بين كلتا الجبهتين، لبنان وغزة، ففيهما توجد منظمات مسلحة لها بنية تحتية سياسية، كما أن العدوين في الجبهتين ليسا معنيين حاليا بالدخول في مواجهة قتالية مع إسرائيل التي استطاعت إيجاد حالة من الردع القوي أثناء جولات القتال السابقة، وتم تحقيق ذلك بدفع أثمان باهظة من المنظمتين والسكان المدنيين

ويوضح يادلين -الذي خدم في صفوف الجيش الإسرائيلي لمدة أربعين عاما، وشارك في معظم حروبها ضد العرب والفلسطينيين- أن أوجه الشبه عديدة بين كلتا الجبهتين، لبنان وغزة.

ففيهما توجد منظمات مسلحة لها بنية تحتية سياسية، كما أن العدوين في الجبهتين ليسا معنيين حاليا بالدخول في مواجهة قتالية مع إسرائيل التي استطاعت إيجاد حالة من الردع القوي أثناء جولات القتال السابقة، وتم تحقيق ذلك بدفع أثمان باهظة من المنظمتين والسكان المدنيين.

أما بالنسبة لحزب الله فيقول يادلين إنه في ظل تورطه بالحرب الدائرة في سوريا فقد تسبب له ذلك بفقدان الكثير من الخسائر البشرية وبأزمة اقتصادية، مما يجعل من المستبعد أن تكون لديه رغبة في فتح جبهة عسكرية ثانية.

وفيما يتعلق بحماس، يقول يادلين إنها منشغلة بملفات داخلية، بينها إعادة إعمار غزة، والخشية من تراجع شعبيتها في القطاع، وهي ذات المشكلة التي تواجه حركة فتح بالضفة الغربية.

 كما تواجه حماس أزمة عميقة مع مصر، حيث يرى الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحركة وجماعة الإخوان المسلمين تهديدا وجوديا، وقد نجحت السلطات المصرية في استهداف منظومة الأنفاق التي تستخدمها حماس لتهريب الأسلحة من سيناء.

وطالب يادلين المستويين السياسي والعسكري في تل أبيب بتوفير الإجابة عن جملة من التساؤلات المشروعة قبل اتخاذ قرار الحرب من قبل إسرائيل مع الجهات المعادية لها، ومنها: ما هو الهدف الأسمى للمعركة القادمة في لبنان أو غزة؟ وهل يستوجب هذا الهدف مهاجمة البنية التحتية لدى الجهة المعادية؟ وكيف يمكن تقصير مدة الحرب للحد الأقصى؟ وإلى أي حد يمكن إدارة المعركة السياسية بموازاة الجبهة العسكرية، ولا سيما على الصعيدين الإقليمي والدولي؟

ويضيف أنه لا بد لإسرائيل من اختيار التوقيت المفضل لاندلاع المعركة القادمة، وهل تفضل الضربة الاستباقية أم العمليات المفاجئة التكتيكية التي قد تحقق نتائج نوعية في بداية المعركة؟ وكيف يمكن لها تفعيل أدواتها الاستخبارية للتعرف على قدرات العدو وتحضيراته العسكرية؟ وهل تتطلب المعركة القادمة قتالا بريا بالضرورة؟ وهل تضطر إسرائيل في هذه الحالة لاحتلال أراض في عمق العدو؟

المصدر : الجزيرة