قدم وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني -بمقال في صحيفة أميركية- رؤية بلاده للطريقة التي يمكن لـالأمم المتحدة أن تنقذ بها حلب.

وأشار في مقال له نشرته صحيفة نيويورك تايمز إلى أن مركزا طبيا بالمدينة كانت تديره جمعية الهلال الأحمر القطرية تم استهدافه بداية هذا الشهر بقنابل أسقطت من مروحية مما أدى لمقتل مريضين وجرح ثمانية آخرين وتدمير نصف المنشأة، وهو ما أجبر قطر على إغلاق المركز. وعقب ذلك وصف رئيس برنامج الصحة في بعثة الهلال الأحمر القطرية في تركيا د. هشام الدرويش الهجوم بأنه "جريمة حرب".

وقال الوزير إن هذه كانت نفس العبارة التي استخدمها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل عدة أيام لوصف العنف المتصاعد الذي تؤججه الحكومة السورية وحلفاؤها، حيث قال "أولئك الذين يستخدمون أسلحة أشد فتكا يعلمون تماما ما يفعلونه. ويعلمون أنهم يرتكبون جرائم حرب".

الكارثة الإنسانية التي تصيب حلب الآن توضح عواقب فشل الأمم المتحدة، وسوريا ليست المكان الوحيد الذي تقاعس فيه مجلس الأمن بانتقائية عن مسؤوليته لحماية المدنيين الأبرياء ومنع جرائم الحرب في الشرق الأوسط

وذكر الوزير القطري في مقاله أن الحرب في سوريا التي تدور رحاها منذ خمس سنوات كشفت وحشية صادمة من قِبل الرئيس بشار الأسد ضد احتجاجات سلمية قام بها شعبه، وقال إن الأسد لم يتصرف بمفرده وإنه كان لديه دعم من قوى خارجية تشاركه المسؤولية عن الموت والتدمير.

وأردف بأنه كان معه أيضا عناصر تمكين أخرى، أولئك الذين تنحوا جانبا ولم يفعلوا شيئا مع استمرار المذابح، وقد وضعت خطوط حمراء لكنه تجاوزها دون عاقبة، وأعلنت مبادرات وقف إطلاق النار لكن قوات النظام خرقتها بدون عقوبة.

وأضاف الوزير أن مجلس الأمن الدولي فشل أيضا، بالرغم من القرارات الكثيرة، في استخدام كافة الوسائل المتاحة لوقف الأهوال التي ترتكب ضد الشعب السوري.

وقال إن مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي أقرته كل الدول الأعضاء بالأمم المتحدة عام 2005 لمنع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كان ينبغي أن يشكل الأساس لتدخل بقيادة المنظمة الدولية في سوريا. ومع ذلك فقد تمت عرقلة هذا المبدأ خلال السنوات الخمس الماضية بشكل متكرر من قبل بعض أعضاء مجلس الأمن لأسباب سياسية. وهذا الجمود بدوره سمح للنظام السوري بمواصلة ذبح مواطنيه دون رادع.

وعلق الوزير بأن الكارثة الإنسانية التي تصيب حلب الآن توضح عواقب فشل الأمم المتحدة. وقال إن سوريا ليست المكان الوحيد الذي تقاعس فيه مجلس الأمن بانتقائية عن مسؤوليته لحماية المدنيين الأبرياء ومنع جرائم الحرب في الشرق الأوسط.

وأضاف: فقد فشل في غزة عام 2014 عندما أخفق في كبح جماح العدوان الإسرائيلي ضد السكان المدنيين حيث كان من بين الـ2251 قتيلا (شهيدا) فلسطينيا 1462 مدنيا، بما في ذلك 551 طفلا و299 امرأة.

واستطرد الشيخ محمد بأن الافتقار إلى النزاهة والمساءلة في عمل مجلس الأمن أصاب العديد في الشرق الأوسط -الذين يسعون لتحقيق السلام والعدالة- بخيبة أمل. وفي غياب القيادة الدولية تحولت بعض الحكومات في المنطقة إلى قوى أجنبية داعمة مما يطيل إراقة الدماء.

ويرى الوزير القطري أن هناك بدائل، فبعد فشل الأمم المتحدة في التدخل لمنع الإبادة الجماعية في رواندا في التسعينيات وفي سربرينيتشا خلال حرب البوسنة اتخذ حلف شمال الأطلسي (الناتو) إجراء لوقف المذبحة التي كانت وشيكة في كوسوفو. وقال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مبررا إجراء الناتو وقتها "إذا كان لدى المجتمع الدولي القدرة لوقف هذا الأمر فيجب علينا وقف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي".

واستطرد بأنه عندما يذبح المدنيون الأبرياء بلا رحمة -سواء كانوا من المسيحيين أو من التوتسي أو الصرب أو المسلمين- فإن مسؤولية المجتمع الدولي هي اتخاذ إجراء جماعي. ولهذا أقرت الأمم المتحدة -بعد ست سنوات من أحداث كوسوفو- هذا القرار الخاص بمسؤولية الحماية، والآن حان الوقت لحماية الأبرياء في سوريا.

قتلى وجرحى جراء غارات روسية على حلب (ناشطون)

وقال الوزير إن هناك من سيجادل بأنه سيكون من الخطأ التدخل في صراع آخر بالشرق الأوسط، مستشهدين في ذلك باحتلال العراق الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. لكنه أردف بأن غزو العراق كان حربا اختيارية وليس هناك اختيار في سوريا لأن إنقاذ المدنيين من الذبح بأيدي نظام الأسد هو مسؤولية أخلاقية، والعالم لديه القدرة لوقف إراقة الدماء في سوريا، كما أن لدى الأمم المتحدة سلطة اتخاذ إجراء بموجب مبدأ مسؤولية الحماية والفصل السابع من ميثاقها.

وأضاف أن قطر تدعو أعضاء مجلس الأمن لتنحية حساباتهم الجيوسياسية جانبا واحترام التزامهم بحماية أرواح العُزّل في سوريا، وتحث المجلس بقوة لحماية المدنيين هناك بإقامة ملاذات آمنة في شمال وجنوب سوريا وفرض منطقة حظر جوي.

وأوضح الوزير أنه في حالة عجز مجلس الأمن عن التوافق على هذه الإجراءات الأساسية فإننا ندعو الجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة بتنفيذ القرار "377 أ" وهذا الإجراء -المعروف أيضا بقرار "الاتحاد من أجل السلام" و"خطة أتشيسون" التي يعود تاريخها إلى عام 1950- يوفر وسيلة لتجاوز الطريق المسدود الذي قد يصل إليه مجلس الأمن ويمكن الأمم المتحدة من سن قانون المقاومة الجماعية للعدوان.

وختم وزير الخارجية القطري بأن الوقت ليس في صالح الجميع وأنه في الوقت الذي يظل فيه قادة العالم على ترددهم هذا يمكن أن يموت الآلاف في حلب، ولا يمكن للمجتمع الدولي -الذي يتحمل ضميره الإخفاقات في رواندا والبوسنة- أن يفشل مرة أخرى.

المصدر : نيويورك تايمز