قالت مجلة فورين أفيرز الأميركية إن عام 2015 شهد تصاعدا لافتا في أعمال العنف في مصر من حيث الكم والنوع، وشمل أهدافا حكومية وعسكرية ورجال قضاء وبعثات دبلوماسية.

وطبقا لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، فإن معدل عدد ما سمته "العمليات الإرهابية" الشهرية خلال العام 2015 بلغ 120حادثا مقارنة بثلاثين حادثا شهريا خلال 2014.

ويجسد اغتيال المدعي العام هشام بركات، منتصف العام الجاري، تطورا جديدا للعمليات "الإرهابية" من حيث طبيعتها وشكلها ومكانها، والتي كانت تقتصر في الماضي على عمليات إطلاق نار متفرقة لتنفيذ عمليات اغتيال.

وزادت الجهات المعارضة المصرية من التنسيق بينها في مجال التخطيط وزيادة قدراتها التقنية، فضلا عن تنفيذ عمليات في مواقع غير تقليدية مثل سيناء. وكانت مصر شهدت في تسعينيات القرن الماضي قيام مجموعات مسلحة بهجمات افتقرت لغطاء دولي محسوس، أما اليوم فقد احتضنت أطراف جديدة عمليات "الإرهاب" مما يصعب عمليات اقتفاء تلك المجموعات.

ويعتبر اغتيال بركات أكبر عملية منذ اغتيال رفعت المحجوب رئيس البرلمان عام 1990، من جانب المجموعة الإسلامية آنذاك والتي كانت تستهدف وزير الداخلية الراحل عبد الحليم موسى.

قمع رسمي
وشكلت عملية اغتيال المحجوب انطلاق المواجهة بين المجموعات "الإرهابية" والدولة، وشهدت السنوات التالية حرب سجال بين الطرفين.

وأسفرت عمليات القمع الرسمي للجماعات المسلحة والدينية عن هدوء محدود، وألقى أفراد من الجماعة الإسلامية سلاحهم وغادر آخرون، بينما انضمت حركة الجهاد الإسلامي المصرية لتنظيم القاعدة التي يتولى زعيمها حاليا أيمن الظواهري قيادة التنظيم.

ويمكن القول إن هناك اختلافات كبيرة بين المشكلات الأمنية المصرية قديما وحاضرا، فاليوم هناك أطراف جديدة تحتضن "الإرهاب" وقد بات المشروع الجهادي العالمي يغذي ويتغذى من قبل منظمات مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

ورغم تغير طبيعة "الإرهاب" فإن أساليب النظام المصري القديمة لا تزال هي نفسها، كاللجوء للاعتقالات والأحكام بالسجن .

اختفاء قسري
شهدت البلاد موجة اختفاء قسري، ووفقا لجماعات حقوق الإنسان فإن أكثر من مائة من الشباب اختفوا قسرا خلال هذا العام، وعثر عليهم في السجن دون توجيه تهم لهم. وكانت مصر شهدت اعتقالات بصفوف رموز وزعماء الإسلاميين خلال التسعينيات، ولكنهم بعد قضاء فترة محكوميتهم بقوا بالسجن فترات طويلة.

ورغم أن مصر خاضت حربها ضد "الإرهاب" بشكل منعزل نسبيا في الماضي -وقد بدأ العالم يدرك أن طبيعة المجموعات "المتطرفة" ذات النشاط العابر للحدود تستلزم حلولا ذات طابع دولي- فإن مثل هذه الحلول تضمحل مع مرور الزمن.

إن مقارعة "الإرهاب" يجب أن تشمل ملاحقة رموزه المعروفين وجلبهم للعدالة، ولكن دون نسيان معالجة المشاكل والمظالم الاقتصادية والاجتماعية للشعوب، وإلا فإن الشعوب ستكون موردا "للإرهابيين" بذخيرة مستدامة تتمثل في أمواج من الراغبين بالالتحاق بتلك المجموعات "الإرهابية".

أما اللجوء إلى مقاربة أمنية ضمن نطاق القانون، فهو حجر الزاوية بالحملة ضد "الإرهاب". وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي قد أعلن يوم 30 يونيو/حزيران خلال جنازة بركات عن وجود إصلاحات قضائية قيد البحث من شأنها أن تزيد التقاضي بموضوعية، ولكن ربما يلجأ البعض ممن يرون أن القانون لا يحميهم إلى القيام بأعمال عنف.

فرق حاسم
هناك فرق رئيسي حاسم بين وضع مصر في التسعينيات ووضعها اليوم، فبينما كانت البلاد تخوض حربها ضد "الإرهاب" بشكل منعزل نسبيا، نجد العالم اليوم يرى أن طبيعة المجموعات الجهادية "المتطرفة" عبر العالم تحتاج إلى حلول عالمية، فأمن مصر يجب ألا ينظر إليه بمعزل عن العالم وأن يدرك الآثار المزلزلة لأعمال العنف.

وبعد عودة المياه إلى مجاريها بين القاهرة وواشنطن في أعقاب فض تجمع الإسلاميين بقوة منتصف يوليو/تموز 2013 بعيد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أعلنت الولايات المتحدة عن استئناف إرسال شحنة من طائرات أباتشي وجدولة إرسال مساعدات عسكرية بمبلغ 1.2 وتخصيص أموال لمحاربة "الإرهاب".

ولعل الأكثر أهمية هو ما قدمته دول الخليج خلال السنتين الماضيتين حيث قدمت كل من السعودية والإمارات والكويت مبلغ 24.5 مليار دولار لمصر على شكل أموال سائلة كهبات واعتمادات بالبنوك المركزية واستثمارات أخرى.

ورغم أن هذه الأموال ليست مخصصة لمحاربة "الإرهاب" فإنه من الصعب تحقيق مستقبل مزدهر بدون أمن. ويعتبر العنف "المتطرف" ظاهرة معقدة على نطاق التقاطعين المحلي والعالمي، ومصر ليست استثناء بهذا السياق. ورغم أن جذور "الإرهاب" متأصلة في المظالم المحلية لكن هذا ليس نتاج نظام بعينه.

زعماء العالم
وإذا ما أخذ العالم ذلك بعين الاعتبار فستكون هناك فرصة أمام زعماء العالم لدعم التطورات الديمقراطية بالمنطقة، ليس عن طريق إدخال قيم التعددية والمساواة والديمقراطية بأذهان زعماء المنطقة فحسب، بل عليهم أن يدركوا أن من يشاطرونهم القيم هذه يواجهون معركة شرسة من أجل الحفاظ على سلامتهم والقيم الديمقراطية التي يتبنونها ومستقبل الديمقراطية عندهم.

ولذلك، فإن على زعماء العالم أن يعملوا مع نظرائهم المصريين سرا وجهارا لتشجيعهم على العمل ضمن نطاق أمني يركز على الحقوق، لأنه بدون تلك المعايير لن تكون مواجهة "الإرهاب" فعالة أو دائمة، وأفضل وسيلة لتحقيق حياة آمنة ومزدهرة للمصريين في خلق بيئة يكون "الإرهاب" فيها وسيلة غير ناجعة للتعبير عن المظالم والمعاناة.

المصدر : فورين أفيرز,الجزيرة