يبدو للناظر أن القضاء المصري أصبح أداة طيِّعة بيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويظهر ذلك من الأحكام بالجملة التي تتراوح بين المؤبد والإعدام ضد المعارضين، لكن صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية لها رأي آخر.

تقول الصحيفة إن هذا الجهاز البيروقراطي الضخم قد لا يطيع السيسي في مناسبات معينة، ويرسم له خطا أحمر عندما يتعلق الأمر بمصالحه.

الأمر الآخر، أن الأحكام الجماعية القاسية ضد المعارضين للسلطة -وخصوصا جماعة الإخوان التي ينتمي إليها الرئيس السابق محمد مرسي- لم تأت لأن السلطة القضائية استلمت أوامر من رأس السلطة بإصدارها، بل لأن القضاء المصري تربى على عقيدة تضع الأمن الوطني في أعلى قائمة الأولويات.

ويؤيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن نبيل ميخائيل ذلك التوجه، ويرى أن "الأحكام الرادعة" التي صدرت بحق المعارضين للسلطة المصرية نجحت إلى حد ما بالحد من أعمال العنف بأنحاء البلاد.

غير أنه أقر بأن بعض الأحكام جاءت قاسية ومعيبة قانونا رغم أن معظم إجراءات التقاضي المتعارف عليها تم الوفاء بها، وضرب مثلا بما أسماه "الأحكام العادلة التي صدرت بحق المتهمين بأحداث كرداسة الذين تسببوا بأعمال عنف وتخريب".    

وفي سياق آخر، رأت الصحيفة أن الجهاز القضائي المصري كان دائما عدوا وصديقا في ذات الوقت للأنظمة المتعاقبة، ولا أدل من ذلك أن هذا الجهاز يتصرف لوحده وتبعا لأفكاره من الآثار السلبية التي سببتها الأحكام الجماعية القاسية لسمعة مصر في المحافل الدولية.

الأمن أولوية قصوى في عقيدة القضاء المصري (رويترز)

ولكن رغم الضجة والإدانات الدولية والحقوقية الواسعة لتلك الأحكام، فإنه لم يصدر عن القضاء المصري أية إشارة ولو بسيطة لوجود نية لديه لتخفيف وطأة قبضته على الإخوان والمعارضين الآخرين.

وتورد الصحيفة مثالين على عدم تساهل النظام القضائي المصري مع أية جهة تمس شؤونه الخاصة ومصالحه، الأول كان خلال ثورة 25 يناير عندما أثيرت مسألة الامتيازات المالية الضخمة التي يتمتع بها القضاة، فما كان من هذا الجهاز إلا أن ألقى بكل ثقله خلف الجهة التي كان من شأنها حماية مصالحه، والتي يمثلها اليوم نظام الرئيس السيسي.

المثال الثاني كان محاولة الرئيس مرسي تخفيض سن التقاعد للقضاة في محاولة للتخلص من أكبر عدد من قضاة عصر النظام السابق، الأمر الذي اعتبرته المؤسسة القضائية خطا أحمر.

وقد قضى مرسي الشهور الأخيرة من ولايته في معركة "كسر عظم" انتهت بخروجه من السلطة بانقلاب عسكري دون أن يستطيع تنفيذ ما أراده، وذهب وظلت المؤسسة القضائية باقية على حالها.

غير أن هناك من يخالف هذا الرأي، فمحامو الدفاع عن المتهمين المعارضين للنظام يرون أن القضاة قضوا دهرا في خدمة الدولة، ومن الصعب عليهم أن يتخلوا عن هذا التوجه.    

يقول المحامي أحمد رمضان "إنه (القاضي) يحكم مستخدما عين مسؤول وفكر ضابط".

ورغم وجود أدلة وتسجيلات صوتية سربت تثبت وجود اتصالات وتنسيق بين السلطة التنفيذية والقضاء، فإن هناك من يقلل من شأن هذه المعلومات ويرى أن القانون أصلا غير ديمقراطي ويتيح للقاضي اتخاذ أقصى العقوبات بدون أن يشعر بوخزة ضمير لأنه ببساطة لم يخرق القانون.

المصدر : الجزيرة,كريستيان ساينس مونيتور