أثار الفيلم الدعائي "مرحبا بكم بأرض الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي أعدته واشنطن الصيف الماضي ضمن حربها الإعلامية على التنظيم جدلا واسعا في الولايات المتحدة أجبر الإدارة الأميركية على تغيير تكتيكاتها في مواجهة التنظيم.

وعلى الرغم من أن الفيلم الذي بث على الإنترنت قد انتشر مثل النار في الهشيم فإن أسئلة أثيرت إزاء المدى الذي يجب أن تبلغه واشنطن في حرب إعلامية مع تنظيم يعتبر "إرهابيا".

وقالت صحيفة واشنطن بوست إن الولايات المتحدة دخلت في حرب إعلامية مع تنظيم الدولة، وتستخدم السلاح نفسه الأفلام الدعائية.

يقول الفيلم الذي أنتجته الخارجية الأميركية بمشهده الافتتاحي "لا تمشوا، وتعالوا ركضا لأرض الدولة الإسلامية في العراق والشام" ثم تظهر صورة زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي وصوته في الخلفية، بينما تظهر على الشاشة كتابات تقول "تعالوا فسوريا لم تعد للسوريين" و"تعالوا فالعراق لم يعد للعراقيين" و"تعالوا إلى حيث تتعلمون مهارات تفيد الأمة".

واشنطن اعتمدت برنامجا جديدا يركز على  التناقضات بين أقوال التنظيم وأفعاله (الجزيرة)

وبينما تظهر تلك الكتابات يشاهد المتفرج صور فظاعات من المفروض أن يكون التنظيم قد ارتكبها مثل الإعدامات الجزافية ورمي الجثث في الوديان.

ثم يعدد الفيلم المهارات التي يكتسبها الملتحقون بالتنظيم من وجهة نظر معديه مثل "تفجير المساجد" و"صلب وإعدام المسلمين" و"نهب المال العام".

ورغم أنها المرة الأولى التي تستخدم واشنطن فيها نفس السلاح الدعائي لتنظيم القاعدة والتنظيمات المنبثقة من رحمه ومثّل نقطة تحول في ما تسميه "الحرب على الإرهاب" فإن الفيلم الذي شوهد أكثر من 850 ألف مرة على موقع يوتيوب أثار جدلا واسعا إزاء حدود انخراط واشنطن في حرب دعائية مع تنظيم تعتبره "إرهابيا".

وكانت الخارجية الأميركية قد أوكلت إعداد الفيلم لوحدة تسمى "المركز الإستراتيجي للإعلام الموجه لمكافحة الإرهاب" وقد حاز المركز على دعم مباشر من الرئيس الأميركي باراك أوباما ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) وضخ فيه عدد من المتحدثين بالعربية والأوردو واللغات الصومالية المحلية.

وترأس المركز الدبلوماسي الأميركي المخضرم ألبيرتو فيرنانديز الذي وصف العمل في المركز بأنه "مثل مركز قيادة حربية في حملة انتخابية سياسية حيث تُحرك المياه الراكدة وتنشر إعلانات موجهة وتجرى بحوث مستمرة عن الخصم".

لكن جهد المركز واجه انتقادات واسعة، ووصفه المراقبون في العاصمة واشنطن بأنه "مخجل" ويخدم أغراض "العدو".

ويرى المنتقدون في الخارجية والبيت الأبيض أن استخدام الفيلم لصور تحتوي على مشاهد مقززة ووحشية يعني أن الإدارة الأميركية انحدرت إلى نفس مستوى العدو (تنظيم الدولة).

أما فيما يخص هدف الفيلم الأساسي وهو ثني أولئك الذين يفكرون بالالتحاق بصفوف التنظيم عن عزمهم، فحتى المؤيدون لمهمة المركز لم يستطيعوا تقديم إثباتات على أن الفيلم حقق غاياته وأن هناك من عدل عن قراره بالالتحاق بالتنظيم بعد مشاهدة الفيلم.     

وقد تسبب الجدل وصعوبة إثبات نجاح مهمة المركز في وضع الإدارة الأميركية في زاوية محرجة، وليس من المبالغة وصف هذا الموقف بأنه الأصعب في حرب الولايات المتحدة على ما يسمى الإرهاب.

واشنطن اغتالت بن لادن ولكن موته لم يلجم انتشار أفكار تنظيمه (أسوشيتد برس)

وقد استسلمت الإدارة الأميركية واعترفت بفشل المركز، واستبدل بهذا المركز وحدة أخرى اسمها "خلية التنسيق المعلوماتي" ومهمتها التنسيق مع السفارات الأميركية والقادة العسكريين لشن حملة "تعرية" للتنظيمات المعادية مثل تنظيم الدولة.

ويعتمد جهد الخلية على تعقب المنشقين ونشر آرائهم التي تطعن بمبادئ تنظيم الدولة المعلنة، وكذلك إبراز التناقضات بين أقوال وأفعال التنظيم.   

وبناء على ما تقدم فإن واشنطن تلقى صعوبة شديدة في إيجاد وسيلة تواصل ناجحة تستطيع تحقيق التواصل الفكري مع المسلمين الذين يشعرون بالاضطهاد بالغرب، والتواصل معهم وعدم تركهم فريسة لأفكار التنظيم الذي أثبت مهارة فائقة في استخدام الإنترنت لتجنيد الأنصار.

وإذا ألقينا نظرة على الـ14 عاما الماضية التي قضتها واشنطن في قتال القاعدة ومن على شاكلتها، سنجد أنها نجحت في تحجيم التنظيم ومنع المزيد من الهجمات على شاكلة اعتداءات (هجمات) 11 سبتمبر، وتعقبت زعيم التنظيم أسامة بن لادن واغتالته، ولكن رغم كل ذلك تبقى حقيقة صارخة وهي "أن فكر تنظيم القاعدة آخذ في الانتشار".

المصدر : واشنطن بوست