يعتبر الرئيس باراك أوباما مسيحيا، رغم اعتقاد معظم الجمهوريين بأنه في أعماق نفسه ذو معتقدات إسلامية وفقا لاستطلاع رأي أجري العام الماضي.

في الواقع فإنه ووفقا لمعهد البحوث الدينية العامة هناك "أربعة رؤساء أميركيين فقط لم يكن لديهم التزامات دينية" كان آخرهم رذرفورد هيس الذي انتهت فترة رئاسته عام 1881.

إلا أن ذلك لا يعني أن أولئك الرؤساء لم يكونوا يؤمنون بالله، وربما كان أبراهام لنكولن أشهر أولئك غير المنتمين دينيا، ولكنه كتب عام 1864 يقول "صحيح أني لا أنتمي إلى أي كنيسة مسيحية، ولكني لم أنكر إطلاقا حقيقة الكتاب المقدس، كما أنني لم أتعمد قط إهانة الدين بشكل عام أو الجماعات المسيحية بشكل خاص".

أما اليوم فمن غير المقبول بشكل شبه مطلق التفكير في رئيس لا يؤمن بالله، فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بو لاستطلاعات الرأي في العام الماضي، أن إنكار وجود الله له التأثير الأكثر سلبية على المرشح الرئاسي وحتى أكثر سلبية من ارتكاب الزنا. هذا فضلا عن أن 92% من عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في بداية الدورة الحالية كانوا من المسيحيين و5% يهود و0.4% لكل من البوذيين والمسلمين، بينما كانت نسبة غير المنتمين دينيا 0.2% فقط.

فهناك نائب واحد ملحد وهو كريستين سينيما وهو من الحزب الديمقراطي عن ولاية أريزونا. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى متى سيستمر هذا التمثيل الزائد للمسيحيين والتمثيل المتدني لغير المنتمين دينيا في الحكومة؟

ووفقا لما بينه استطلاع مركز بو الأسبوع الماضي فإن نسبة المسيحيين بين سكان أميركا في تدن، بينما يرتفع عدد البالغين الذين لا يؤمنون بأي ديانة منظمة. وفي الواقع انخفضت نسبة البالغين الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين بين سكان أميركا بنسبة حوالي 8% خلال سبع سنوات فقط، وانخفضت من 78.4% عام 2007 إلى 70.6% في العام 2014.

من جهة أخرى، وجد التقرير ارتفاعا في عدد الأميركيين غير المنتمين دينيا في نفس تلك الفترة والذين يصفون أنفسهم بالملحدين أو ممن يعتقدون أنه ما من سبيل لمعرفة الله، وقد ارتفعت نسبتهم بأكثر من 6 نقاط من 16.1% إلى 22.8%. ووفقا للتقرير فإن معظم التغيير في هذا المجال طرأ على الشباب، وحسب التقرير "نحو ثلث الذين في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم اليوم، يقولون بأنهم لا ينتمون إلى دين، أي بزيادة 9% عن العام 2007 حينما كان أعضاء هذه الفئة العمرية  نفسها بين 18 و26 عاما".

الجمهوريون يتهمون أوباما بأنه يخفي حقيقة كونه مسلم الاعتقاد والانتماء (غيتي)

هذه المعلومات تثير السؤال التالي "إلى متى يمكن وصف هذه الأمة بأنها أمة مسيحية ملتزمة (هذا إن كانت كذلك يوما ما) تحكمها حكومة ذات غالبية مسيحية؟

في مارس/آذار الماضي قال كيفين كيرس أستاذ التاريخ في جامعة برينستون في مقال له في نيويورك تايمز: لم يوجد الآباء المؤسسون الطقوس الاحتفالية والشعارات التي تتناهى إلى عقولنا حينما نفكر إن كنا أمة مسيحية. أجدادنا فعلوا.

ويعتقد كيرس أن بداية ذلك كانت مع قادة الحركة المعارضة لأساليب المال والأعمال الجديدة في ثلاثينيات القرن الماضي، الذين ربطوا الرأسمالية بالمسيحية كجزء من حملة علاقات عامة.

ومنذ ذلك الحين فإن فكرة كون أميركا دولة مسيحية نمت وتوسعت، وحسب كيرس فإن "استطلاعات السياسة العامة وجدت أن 57% من الجمهوريين يفضلون أن تكون أميركا دولة مسيحية رسميا، ولكن في دراسة أجريت عام 2007 أظهرت أن 55% من الأميركيين كانوا يعتقدون أن بلادهم دولة مسيحية.

ولكن ماذا يمكن أن تصور اليوم من المعلومات التي تشير إلى ارتفاع في نسبة الذين لا يؤمنون وانخفاض نسبة الذين يؤمنون؟

إننا نحس اليوم بالفعل بشعور متصاعد داخل أميركا بأن المسيحية تتعرض للهجوم وتخسر الحروب الثقافية، حتى إن البعض يحاول ربط الاضطهاد المسيحي في الخارج بمحنة المسيحيين في هذا البلد. صحيح أن المسيحيين في الشرق الأوسط وأفريقيا يتعرضون للذبح والتعذيب والاغتصاب والاختطاف وقطع الرؤوس ويجبرون على الهجرة من بلادهم التي هي مهد المسيحية كما قال كريستين بورز قبل عامين في ديلي بيست، فضلا عن الظهور الأخير للدولة الإسلامية الذي  كشف عن عمليات قتل للمسيحيين.

في الحقيقة، إن مقارنة محنة أولئك المسيحيين الذين دمرت حياتهم ومزقت إربا بمحنة المسيحيين الأميركيين المشغولين بتراجع ووهن نفوذهم وقوتهم، هو ازدراء لوضعهم الذي انتهوا إليه بسبب معتقداتهم الدينية، فالقضية في هذا البلد ليست حول تعرض المسيحيين للاضطهاد والقهر بل حول تبرمهم من التزامهم الديني.

وإذا قدر لغير المنتمين دينيا أن يسطع نجمهم بحصولهم على مزيد من التمثيل السياسي، فإن ذلك  سيأتي في معظمه من جهة الديمقراطيين، ففي انتخابات العام 1980 تفوق دعم غير المنتمين دينيا جيمي كارتر ضد الجمهوري رونالد ريغان بهامش بسيط من رقم مئوي واحد، أما في 2012 فقد دعموا باراك أوباما ضد ميت رومني بنسبة 51% وأعتقد أن ذلك اليوم سيأتي ولكن حتى حينه فإن غير المنتمين دينيا يعانون من أزمة هوية كونهم لا يدركون مدى قوتهم. 

المصدر : نيويورك تايمز