بينما تنخرط أوروبا بمحاولات مستميتة للتصدي لموجة الهجرة المهلكة من أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط عبر البحر المتوسط، بدأت إسرائيل بتشديد موقفها تجاه المهاجرين مخيرة غير المرغوب فيهم من الأفارقة بين الترحيل أو السجن لأمد غير معلوم.

وأخذت السلطات الإسرائيلية في توجيه رسائل لأول دفعة من 45 ألفا من الإرتيريين والسودانيين تخبرهم فيها أن أمامهم ثلاثين يوما لقبول العرض الإسرائيلي بمنح كل منهم مبلغ 3500 دولار نقدا وتذكرة ذهاب بلا عودة إلى بلد أفريقي ثالث، أو مواجهة الاعتقال داخل سجن صحارونيم.

ويدعي المسؤولون الإسرائيليون أن موقفهم المتشدد يسعى في نهاية المطاف إلى إنقاذ الأرواح عن طريق إقناع المهاجرين بالعدول عن الرحلة المحفوفة بالمخاطر, أما المعارضون لهذه السياسة فيقولون إن إسرائيل بنيت بسواعد المهاجرين وعليها أن تكون أكثر قبولا لهؤلاء الذين فروا من ويلات الحرب والفقر والقهر.

لكن من جهة أخرى، فأوروبا الليبرالية نفسها بدأت باتخاذ مواقف أكثر تشددا وقسوة تجاه المهاجرين غير النظاميين، وتدفع باتجاه تفويض دولي لنشر قوة عسكرية في البحر المتوسط لوقف سفن تهريبهم.

سعي أوروبا لإجراءات حازمة ضد المهاجرين أعطى إسرائيل مبررا للتشدد (غيتي)

معايير جديدة
وجاءت المعايير الجديدة لإجبار الأفارقة على مغادرة إسرائيل في وقت يتنامى فيه الخوف بين المهاجرين بعد نشر شريط فيديو يظهر مقتل ثلاثة من الإريتريين الذين غادروا إسرائيل على يد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا.

ويقول أصدقاء وأقارب المغدورين إنهم سافروا إلى هناك في محاولة للوصول إلى أوروبا، ولكن أمان بييني -المهاجر الذي أمضى 14 شهرا في مركز اعتقال إسرائيلي- يقول "لقد شاهدنا الفيديو، ولكنا نعتقد أنه قد يكون غير صحيح وربما كان ذلك مجرد خدعة، ولكن بعدما تحدثنا إلى شاب إريتري شاهد عملية القتل تأكدنا أن الشريط كان حقيقيا".

وكان المحاسب الإريتري ابن الـ38 يجلس على مائدة طعام في منطقة قذرة لوقوف السيارات بمنشأة اعتقال مشيدة من الإسمنت والطابوق من طابق واحد تتسع لإيواء ألفي أفريقي وهي محاطة بالأسلاك الشائكة في صحراء النقب.

وعلى الرغم من أن المعتقلين في هولوت يتجولون بحرية أثناء النهار، فإن أقرب مدينة لهم تقع على بعد ساعة ويمنع الرجال من العمل, وإذا ما أخفقوا في العودة قبل الليل يرسلون للسجن.

ويتبين من المقابلات التي أجريت مع إريتريين وسودانيين أنهم ما زالوا يحلمون بالوصول إلى أوروبا عن طريق ليبيا التي تعمّها الفوضى رغم علمهم بوفاة أكثر من 1800 أفريقي غرقا في البحر هذا العام بينما اعتقل تنظيم الدولة آخرين.

أما معتصم علي -الذي وصل إسرائيل من ولاية دارفور السودانية عام 2009 وأمضى معظم العام الماضي في مركز اعتقال- فيقول "إنه لأمر مروع أن يجز رأسك على يد تنظيم الدولة أو تقضي غرقا, ولكنك لا تستطيع البقاء هنا وتضيع حياتك هدرا ولا يوجد ما تعمله". وأشار إلى زملائه الذين يقضون يومهم بلا هدف سوى العبث بهواتفهم المحمولة بانتظار وجبة الطعام التالية.

المهاجرون الأفارقة يتوجهون لأوروبا بحرا في رحلة محفوفة بالمخاطر (أسوشيتد برس)

شكوى إسرائيلية
وقبل أن تبدأ إسرائيل في تضييق الخناق على المهاجرين الأفريقيين مؤخرا كان مشهد الأفارقة مألوفا في المدن التي تعج بالحركة حيث يعملون في المطابخ وأعمال بسيطة، وما زالت بعض ضواحي جنوب تل أبيب تعج بهم حيث يشتكي العديد من الإسرائيليين من أنهم تعرضوا للغزو.

ورغم أن إسرائيل تشكلت من لاجئين يهود ولا تزال الدعوات توجه لأحفادهم للقدوم إليها ويستقبلون بحفاوة عند وصولهم، وفي تسعينيات القرن الماضي قدم مليون شخص يتكلمون الروسية إلى إسرائيل في حين ما زال اليهود الإثيوبيون يصلون إسرائيل شهريا, فإن هناك خشية من أن تشكل موجات المهاجرين الفقراء الأفريقيين ومعظمهم من المسلمين من السودان ومسيحيين من إرتيريا من تغيير الطبيعة اليهودية لإسرائيل.

وقد أنفقت إسرائيل أكثر من 350 مليون دولار لإقامة سياج بطول 140 كلم على طول حدودها مع مصر، في وقت تصف الحكومة الإسرائيلية المهاجرين غير النظاميين بـ"المتسللين".

وتنفس الزعماء الإسرائيليون الصعداء حينما اجتاحت أوروبا موجات من المهاجرين الأفارقة واستشهدوا بذلك للدفاع عن صواب سياستهم، وفي هذا السياق كتب وزير المواصلات الإسرائيلي إسرائيل كاتس على صفحته في فيسبوك مؤخرا "في حين توجد اختلافات بيننا، فالمهاجرون يصلون أوروبا عبر البحر بينما يصلوننا عن طريق البر مباشرة، وهنا يمكنك التسليم بصدقية وصحة الموقف الإسرائيلي ببناء السياج مع مصر الذي يحول بين العمال المهاجرين وبين دخول إسرائيل".

المصدر : واشنطن بوست