تستمر الصحافة الأميركية بتغطية واسعة لنتائج الانتخابات البريطانية، وقد جاءت معظم التحليلات التي كتبها صحفيون مراقبون أميركيون اليوم متشائمة حيال مستقبل المملكة المتحدة التي عرفت يوما باسم "الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس".

وتفتقت الانتخابات البريطانية الأسبوع الماضي عن قيادة سياسية جديدة أعطت حزب المحافظين تفردا بالسلطة وأفرزت قوة جديدة على الساحة السياسية البريطانية تتمثل بصعود الحزب القومي الأسكتلندي؟

ومن المؤشرات الرئيسية المتوقعة لهذه الإفرازات احتمال انعزال بريطانيا عن أوروبا نتيجة سياسات المحافظين المعادين للاتحاد الأوروبي. أما صعود الحزب الأسكتلندي الذي يدفع بقوة نحو استقلال أسكتلندا عن بريطانيا، فقد ينتج عنه تصويت ثان ينتهي بانفصال أسكتلندا عن بريطانيا.  

وتعلق صحيفة واشنطن بوست على الوضع الجديد بأن رئيس الوزراء البريطاني الفائز ديفيد كاميرون حقق نجاحا انتخابيا خالف التوقعات وأثبت تمتعه بشخصية سياسية جذابة ومكر لم يكونا مكشوفين للملأ من قبل. إلا أن كاميرون سيحتاج أثناء فترة ولايته القادمة لاستخدام تلك المؤهلات استخداما مكثفا ليتفادى مصيبة عمره بأن يسجله التاريخ على أنه "والد إنكلترا الصغيرة".  

صعود الحزب القومي الأسكتلندي قد يقود لاستفتاء آخر حول الاستقلال (رويترز)

مصالح متضاربة
المحافظون البريطانيون لا يريدون بريطانيا جزءا من الاتحاد الأوروبي، ولكن الأسكتلنديين يريدون ذلك، وفي هذا السياق تنقل الصحيفة عن المحلل السياسي والكاتب البريطاني ديفيد تورانس قوله "ستحمل الخمس سنين القادمة جدلا مزدوجا حول اتحادين: الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة".

ويبدو من ظاهر الأمور أن هذين المحورين سوف يتشابكان وسرعان ما يغرقان البلاد في شبكة معقدة من المصالح المتضاربة، فإذا جدف المحافظون بالجزيرة البريطانية العظمى بعيدا عن القارة الأم أوروبا، فإن ذلك دون شك سيتم على حساب رغبات الأسكتلنديين بالبقاء قرب الساحل الأوروبي، وهذا سيولد أرضية خصبة للحزب القومي الأسكتلندي لينظم استفتاء آخر حول الاستقلال، وهناك احتمال كبير بألا تكون نتيجته لصالح بقاء أسكتلندا ضمن المملكة المتحدة كسابقه الذي أجري في سبتمبر/أيلول العام الماضي.

أما في صحيفة نيويورك تايمز، فكتب روس دوثات مقالا بعنوان "انتحار بريطانيا" توقع فيه أن تتفكك هذه المملكة التي كانت في الماضي القريب نسبيا إمبراطورية عظمى.

ويرى الكاتب أن الأخبار التي تظهر منذ إعلان نتائج الانتخابات البريطانية الأسبوع الماضي جاءت تحت عنوان رئيسي هو "انتصار المحافظين وديفيد كاميرون"، إلا ان الفائز الرئيسي في الحقيقة هو "القوى القومية" في أسكتلندا وإنكلترا وهذا ما ترك بريطانيا التي نعرفها على المحك.

ويلخص الكاتب رؤيته لأسكتلندا تحت الوضع الجديد بأنها تتجه نحو ما يشبه حكم الحزب الواحد بعد أن حصل القوميون على نصر كاسح وحازوا على 56 مقعدا من أصل 59 هي عدد مقاعد أسكتلندا في البرلمان.

ويرى الكاتب أن القوميين لن يجدوا صعوبة في توجيه دفة البلاد نحو الوجهة التي يريدونها حيث تظهر النزعة الاستقلالية في نفس الشارع وما يكتب في الصحافة، ومثال ذلك ما كتبه أليكس ماسي أحد أشرس مؤيدي الانفصال عندما قال "الوطنية هي ديننا العلماني الجديد".

كاميرون لفت الأنظار بأدائه في الحملة الانتخابية (رويترز)

الجانب الخفي
وأخيرا، تناولت صحيفة وول ستريت في مقال لها بقلم بروس آندرسون الانتخابات البريطانية ورأى الكاتب أن كاميرون أسر لب الناخبين البريطانيين وغزا قلوبهم بشخصيته الواثقة وخطاه المحسوبة، ولكن رغم ذلك هناك حقيقة ماثلة للعيان بأن ملايين البريطانيين تركوا في حيرة من أمرهم حول نوايا كاميرون الحقيقية.   

وإذا عددنا مناقب كاميرون في السنوات الخمس الماضية فإن أولها سيكون انتشال بريطانيا من وضع مالي مزر، فعندما سكن 10 داوننغ ستريت (مقر الحكومة البريطانية) كانت بريطانيا في وضع لا يختلف كثير عن وضع اليونان -التي تغرق في مشاكل اقتصادية وتنتظر الفرج من الاتحاد الأوروبي- لكنه اليوم لا يقارن بوضع اليونان.

من جهة أخرى، حققت الحكومة بقيادته -وهو النابغة الذي حقق أعلى المراتب الجامعية بدون أن يكون عبدا للكتب والمراجع- نجاحات في ميادين عدة، أهمها الخدمات الأساسية التي شهدت تطورا لافتا.

وفي الحملة الانتخابية، عادة يكون السياسيون متوترين ويتصنعون اللطف ويستجدون عطف الناخبين ورضا المراقبين، إلا أن الكاتب يصف كاميرون في جولته الانتخابية بأنحاء البلاد بأنه رجل "يجري في عروقه ماء مثلج".

فرض كاميرون حضوره وفاز خلافا للتوقعات، إلا أن كل ذلك لا يمكن أن يغطي أمرا هاما هو أن هذا السياسي البراغماتي والإداري العتيد لا يمكنه أن يضع أفكاره السياسية في نسق أيديولوجي، حسب الكاتب.

يقول آندرسون إن هذا الرجل يحكم بريطانيا منذ خمس سنين ولا يزال الملايين من البريطانيين لا يعرفون من هو فعلا وما معتقداته الحقيقية.

ويسوق الكاتب مثالا على غموض كاميرون في رده على سؤال سابق حول طموحه بتبوأ رئاسة الوزراء فقال "أريد أن أجعل هذا البلد أقوى وأن يعيش أبناؤه برخاء أكبر".

وفي تعليقه على كلمات كاميرون يقول آندرسون: الجواب ليس سيئا ولكنه بالتأكيد غير مرض.

المصدر : الصحافة الأميركية