إي جي ديون-واشنطن بوست

تعاني ديمقراطيات العالم -وخاصة الولايات المتحدة- من مفارقات وتناقضات تقوض المصداقية والثقة في المنظومة الشعبية العامة، وتقطع أوصال الولاءات القديمة.

هناك تراجع في الثقة في الأحزاب السياسية التقليدية، ولكن في المقابل هناك زيادة في الشراكة. من جهة أخرى، هناك فقدان للثقة في مقدرة الحكومات على النجاح في كبح الشعور بعدم الأمان من الناحية الاقتصادية وتوفير سقف أعلى من الفرص. كما أن مطالب التغيير مقرونة بالخوف من الآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عن الإسراف في التغيير، والتي ربما قد تضرب أساسيات الحياة للأفراد والعائلات.

إن هذه التقاطعات تحط من شأن الزعماء السياسيين، وتهز أركان أحزاب سياسية لها ماض عريق، ففي أوروبا باتت الحركات المتطرفة من اليمين واليسار تحظى بدعم وتأييد المواطنين الساخطين على الأوضاع العامة.

أما القلق حول موضوع الهجرة فيعكس الخوف الذي ينبع من جوانب اجتماعية وثقافية. وفي الوقت نفسه، فإن الشعور العام بعدم الرضا ينتج عنه بصورة دائمة تدهور للأوضاع الاقتصادية ويترجم ذلك على شكل احتجاجات ضد أصحاب الامتيازات، وفي كلا الحالتين فإن الغضب هو سيد الموقف.

إن تقاطع هذه القوى يجد تعبيرا قويا له في بريطانيا بشكل خاص، التي ستجري فيها انتخابات برلمانية يوم 7 مايو/أيار، ولا يتوقع لأي من حزبي المحافظين والعمال العريقين الفوز بأغلبية برلمانية، وهما الحزبان اللذان حصدا مجتمعين 96.8% من أصوات الناخبين عام 1951، بينما هما يجاهدان اليوم للحصول على 70% من الأصوات.

ميليباند قد يفوز لأن حزب المحافظين يخسر لصالح حزب الاستقلال البريطاني المعارض (غيتي)

أما في أسكتلندا -وهي المعقل القوي لحزب العمال- فإن حزب أسكتلندا القومي المؤيد للاستقلال قد يحصل على خمسين مقعدا من أصل المقاعد البالغ عددها 59، مما يحول دون حصول زعيم حزب العمال إيد ميليباند على الأغلبية.

ولكن ميليباند الذي قاد حملة انتخابية فاقت توقعات خصومه، من المتوقع أن يتسلم الحكم. ويعود ذلك جزئيا إلى أن المحافظين يخسرون أصواتا لصالح حزب الاستقلال البريطاني المعارض للهجرة والانضمام للاتحاد الأوروبي.

أما في اليونان، فقد أوشك حزب باسوك الديمقراطي الاجتماعي على أن يلفظ أنفاسه بعد انهيار اقتصاد البلاد، وقد تسلم الجناح اليساري سيريزا السلطة هذا العام بسبب الإحباط الذي ساد الشارع اليوناني من إجراءات التقشف الصارمة والشروط التي وضعها الاتحاد الأوروبي لخطة الإنقاذ المالي لليونان.

وفي الوقت ذاته، حققت أحزاب اليمين المتطرف إنجازات في كل من فرنسا والدول الإسكندنافية المعروفة باعتدال مواقفها.

أما في الولايات المتحدة، فإن الانقسامات الحزبية نادرا ما كانت عميقة وفظة عبر الصفوف الحزبية، إلا أن ذلك ليس مرده الشعور بالنظرة الإيجابية للمصوتين تجاه الأحزاب. وفي هذا السياق لاحظ اثنان من العلماء السياسيين من جامعة إيموري للعلوم السياسية أن أحد أهم التوجهات في السياسة الأميركية خلال عدة عقود خلت، هو ارتفاع المشاعر السلبية تجاه الأحزاب بين أوساط الناخبين.

واستطردا بالقول إن هذا يحدث عندما يرى أنصار كل حزب أن أنصار الحزب المعارض يختلفون كثيرا عنهم من حيث السلوك الاجتماعي والقيم الأساسية.

ومضيا يقولان: نعم، إن وضعنا الحالي من حيث التعصب للأفكار يؤدي بنا ليس إلى كره الجانب السياسي الأخر فحسب، ولكن إلى كره بعضنا بعضا. كما أن مشاعر الناخبين المحبطين تزود كل معسكر بذخيرة عقائدية لقصف أعدائهم على الجانب الآخر.

دانيال روجر: لقد أصبحت الهويات منطقة هلامية وخاضعة لمصالح الانتخابات (..) إذا كانت الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات هي زمن الاندماج السياسي والاجتماعي، فإن التيار السائد اليوم يحمل توجها نحو التفكك

عام 2013، شاركت في بحث أجراه معهد بروكنغز وكان هناك استنتاجان مهمان ولكن متضادان، الأول أن 63% من الأميركيين قالوا إن على الحكومة عمل المزيد من أجل سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بينما قال 59% منهم أن الحكومة توسعت أكثر نظرا لأنها انخرطت في أمور كان على الجمهور القيام بها بنفسه. نريد حكومة أصغر -غير مترهلة- تفعل المزيد من أجل العدالة، ولكن يبدو أننا نريدها (الحكومة) بحجم أصغر.

أما ستانلي غرينبرغ الذي يعمل في استطلاعات الرأي لصالح الحزب الديمقراطي، فيقول إنه يمكن تفسير هذا التوتر جزئيا نتيجة الرأي المنتشر على نطاق واسع بأن المصالح الخاصة لها تأثيرها على الحكومة، ويقول إن الناخبين على استعداد لتقبل مساعدة الحكومة إذا "نظفت الطاولة".

إنه لأمر منطقي، ولكن في الولايات المتحدة -كما في كل مكان- فإنه نادرا ما تقوم السياسة برقع الروابط الاجتماعية المهترئة. إن عنوان كتاب المؤرخ دانيال روجرز من جامعة برينستون يلخص ما آل إليه حالنا، فقد أطلق على كتابه عنوان "عصر التصدعات"، وقال فيه "لقد أصبحت الهويات منطقة هلامية وخاضعة لمصالح الانتخابات (..) إذا كانت الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات هي زمن الاندماج السياسي والاجتماعي، فإن التيار السائد اليوم يحمل توجها نحو التفكك".

إنها مشكلة كبيرة للحكومات المستقلة، حيث إن المهمة الأساسية للسياسيين في الدول الديمقراطية هي تحقيق كتل شعبية متجانسة، إلا أن السياسيين لا يقومون بذلك بشكل جيد اليوم. أما الحملة الانتخابية التي ستنطلق عام 2016 فإنها لا تحمل مؤشرات تبشر بأداء أفضل.

المصدر : واشنطن بوست