تتردد في أوروبا دعوات جدية لحل جذري لمأساة إنسانية تتوالى فصولها في مواقع مختلفة من البحر المتوسط، بعد وفاة حوالي 700 مهاجر غير نظامي كانوا على متن قارب ابتلعته مياه البحر الأحد الماضي.

وقد غرق القارب نتيجة الحمولة الزائدة حيث زج على متنه مئات المهاجرين اليائسين والمتلهفين لوضع أقدامهم على الضفة الشمالية للبحر المتوسط، أوروبا.

في العام الماضي ارتفع عدد المهاجرين الذين عبروا البحر المتوسط إلى 220 ألفا توجه معظمهم إلى إيطاليا، وفي الشهر الحالي وصل عدد المهاجرين إلى نحو 13 ألفا وثلاثمائة وهو ما يعادل مجموع من وصلوا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام.

بالمقابل ارتفع عدد الوفيات بين أولئك المهاجرين بشكل لافت حيث لقي 950 مهاجرا حتفهم في المتوسط قبل حادثة الانقلاب الأخيرة مقارنة مع خمسين وفاة في نفس الفترة من العام الماضي وفقا المفوضية السامية الخاصة باللاجئين.

ولا توجد في الوقت الحاضر وفي ضوء الأحداث الأخيرة أي توقعات إيجابية، حيث تدل المؤشرات على احتمال حدوث المزيد من المآسي والوفيات في ضوء العدد المتزايد من الضحايا في أوساط المهاجرين الذين يفرون من بلدانهم التي تمزقها الحروب ويعمها الفقر في أفريقيا والشرق الأوسط.

ولا يبدو تحديد نقطة الانطلاق لجهود احتواء مآسي غرق المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا بالمهمة السهلة. ورغم أن الأوروبيين يعون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم فإن وجود برنامج فعال لإنقاذ المهاجرين يبدو كأنه حقل ألغام.

في مقابلة له مع هيئة الإذاعة البريطانية علق رئيس وزراء مالطا على ذلك بالقول "إنه إذا ما استمرت بلدان أوروبا في غض النظر عن ما يجري فسيحكم علينا التاريخ تماما مثلما حكم على أوروبا حينما غضت الطرف عن الإبادة الجماعية التي وقعت في هذا القرن والقرن الماضي".

ورغم تزايد الانتقادات للاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بالثراء لفشله في  إطلاق برنامج طوارئ فعال، فإن هناك من الأوروبيين من يرون أن المشكلة لا يجب أن تحصر في أوروبا.

video

رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي قال مؤخرا إن ليبيا هي أصل المشكلة، بعد أن أضحت قاعدة انطلاق المهاجرين لأنها تحولت إلى دولة فاشلة في أعقاب الحملة العسكرية التي ساعدت في الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، وتفككها إلى شيع وقبائل نتج عنه أن البلد أصبح مسرحا للمتشددين الإسلاميين.

وقد فكرت إيطاليا بالقيام بمهمة عسكرية في ليبيا ربما بتفويض من الأمم المتحدة، ودعا ريزني يوم الأحد الماضي لمحادثات مكثفة متواصلة مع الأمم المتحدة وشبه ممرات التهريب الجديدة للمهاجرين في ليبيا على أنها "تجارة رقيق القرن الواحد والعشرين". ووفقا لحرس الحدود الإيطالي, فإن انقلاب القارب المحمل بالمهاجرين جاء بعد أن ساد الذعر بينهم عندما شاهدوا مركبا تجاريا برتغاليا يقترب منهم واندفعوا نحو جانب واحد من القارب مما تسبب في انقلابه.

ومما زاد الطين بلة أن معظم المهاجرين قدموا من بلاد غير مطلة على البحر ولا يستطيعون السباحة، فهوو بسرعة إلى قاع البحر. المعضلة الأخرى التي واجهت جهود السلطات الإيطالية في البحث عن أحياء، هو صعوبة التواصل اللغوي مع المهاجرين.  

عام 2013 حدثت كارثة مشابهة تعرف بكارثة لامبيدوزا نسبة للجزيرة التي شهدت الحادث، وأطلق برنامج لإطلاق عمليات بحث وإنقاذ لمساعدة قوارب المهاجرين وهو مجهود حظي بإطراء مجموعات حقوق الإنسان كونه ينقذ عشرات آلاف الأرواح.

إلا أن البرنامج مكلف وأصبح سلاحا بيد المعارضة في البلدان الأوروبية الذين صوروه على أنه يشجع المهاجرين على السفر لأوروبا بطرق شديدة الخطورة.

video

وضعت إيطاليا حدا لهذا البرنامج وأوكلت المهمة إلى عملية تشرف عليها وكالة إدارة الحدود الإقليمية بثلث ميزانية المشروع السابق وبتفويض أقل لمراقبة المياه الإيطالية وما حولها.

وفي هذا السياق قال رئيس وزراء إيطاليا إن البرنامج لم يكن بمقدوره الحيلولة دون وقوع الكارثة الأخيرة وأنحى باللائمة في ارتفاع عدد القتلى على الذعر الذي ساد أوساط المهاجرين بعد أن هبت سفينة تجارية لنجدتهم وليس بسبب قصور في عمليات سفن البحث والإنقاذ.

ومهما يكن من أمر، فأوروبا معروفة ببيروقراطيتها وضعف استجابتها، بدءا من أزمة الديون الأوروبية وانتهاء بأزمة أوكرانيا, وهذه المرة أيضا يؤخذ عليها بطء الاستجابة. وفي هذا السياق  تقول جوديث نائبة مدير هيومن رايتس ووتش لأوروبا وآسيا الوسطى: يقف الاتحاد الأوروبي مكتوف اليدين بينما يموت المئات في مياهه وكان يمكن منع تلك الوفيات لو بذل الاتحاد مجهودا حقيقيا من أجل البحث والإنقاذ.

وفي هذا السياق بدأ بعض الزعماء الأوروبيين بالمطالبة بمجهود إقليمي متزايد كما قال الرئيس الفرنسي هولاند في حديث تلفزيوني حيث دعا لزيادة عدد القوارب والطلعات الجوية وتشديد المعركة ضد من يهربون المهاجرين.

لكن تقديم الدعم والمساعدة القوية للمهاجرين موضع خلاف وجدل في أوروبا، فالبعض يعتبره برنامجا يشجع قدوم مزيد من المهاجرين، وعلق على ذلك وزير الداخلية الألماني بالقول "لو قبلنا بكل القادمين من منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا لأضحت تلك تجارة مثلى لمهربي البشر".

وإنسانيا، تقول كارلوتا بيليني -رئيسة حماية الطفولة من منظمة أنقذوا الطفولة في روما- إنها سمعت عن ارتكاب فظائع بين صفوف صغار المهاجرين الذين وصلوا مؤخرا حيث كثيرا ما كانوا يتعرضون إلى الاستغلال الجسدي والجنسي وأحيانا يتعرضون لإطلاق النار عليهم وهم في عرض البحر.

المصدر : واشنطن بوست