أوصت آخر دراسة بحثية إسرائيلية الحكومة بفتح قنوات حوار وتعاون مع أطراف سورية "براغماتية" وقادرة على لعب دور فعال في إعادة تشكيل وصياغة سوريا المستقبل، سواء في ظل بقاء الرئيس بشار الأسد أو إسقاطه.

وتقول الدراسة التي أعدها -قبل أيام- معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب بعنوان "الخريطة الجديدة في سوريا.. التحديات والفرص أمام إسرائيل" إن الحرب الجارية في سوريا منذ عام 2011 غيرت خريطة البيئة الإقليمية للدولة السورية ذاتها التي عرفتها إسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية.

وأشارت إلى أن سوريا اليوم لم تعد تلك الدولة الواحدة، وإنما باتت معقلا لعديد من الأطراف الإقليمية والدولية.

أودي ديكل: عملية الضعف التدريجية التي يمر بها نظام الأسد أوجدت أمام إسرائيل جملة تحديات جديدة لم تكن قائمة في السابق

هدوء الجولان
أودي ديكل الباحث الإسرائيلي والرئيس السابق لإدارة المفاوضات مع الفلسطينيين خلال حكومة إيهود أولمرت ذكر في أحد فصول الدراسة أن عملية الضعف التدريجية -التي يمر بها نظام الأسد- أوجدت أمام إسرائيل جملة تحديات جديدة لم تكن قائمة في السابق في ضوء توافد قوى إسلامية سنية وشيعية إلى داخل الأراضي السورية، وترى في إسرائيل دولة معادية من الناحيتين المبدئية والدينية، وتحظى بدعم دول لديها علاقات متوترة مع إسرائيل، سواء قطر وتركيا، أو إيران وحزب الله.

وتمكنت مجموعات جهادية سلفية من الاقتراب من الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان، وإحداث قلاقل أمنية بعد هدوء ساد هذه الحدود عقودا طويلة، ولكن في الوقت ذاته فإن ظهور قوى سورية معارضة براغماتية معتدلة يمنح إسرائيل بعض الفرص في إمكانية إيجاد تعاون مشترك معها مستقبلا.

وأضاف الباحث ديكل أنه في ظل التطورات التي تشهدها سوريا بصورة متلاحقة تبدو إسرائيل مطالبة بالتوقف عن السياسة التي أدارتها منذ 2011، والبدء بسياسة جديدة تتمثل بإمكانية إقامة اتصالات مع "لاعبين إيجابيين" في الساحة السورية، بجانب أطراف إقليمية ودولية لها ذات المصالح في سوريا، وهؤلاء اللاعبون ممن يمتلكون تأثيرا في التطورات الميدانية داخل الأراضي السورية.

ويوضح أن هؤلاء اللاعبين قد يلعبون دورا فاعلا في إعادة تشكيل وصياغة سوريا المستقبل إذا قدر لنظام الأسد أن يسقط، أو أقيمت كيانات سياسية جديدة، منها ما يحظى بدعم إيراني، أو حكم ذاتي للأكراد، وآخر في جنوب سوريا، مما يتطلب من إسرائيل إمكانية الدخول في خطوات تنسيقية بعيدة المدى.

وختم بالقول إن هذه السياسة الإسرائيلية الجديدة ستكون جزءا من إستراتيجية شاملة تمنح إسرائيل القدرة على بناء مراكز تأثير مجدية داخل الساحة السورية تسفر عن إيجاد مصالح مشتركة تكتيكية وإستراتيجية لها، وعلى رأسها المحافظة على الاستقرار الأمني في هضبة الجولان، والحيلولة دون وصول "لاعبين سلبيين" قد يقيمون قواعد لهم في الجانب السوري من الحدود.

أما الباحث الإسرائيلي نير بومس المشارك في إعداد الدراسة فذكر أن إسرائيل تعتقد أن الزيادة الحاصلة في المجموعات المسلحة ذات الأيديولوجية الإسلامية الجهادية في سوريا تضع عليها أعباء إضافية في البحث عن شركاء إيجابيين في المستقبل هناك، ومن تلك المجموعات تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وأحرار الشام وحزب الله، وهو ما ينشئ خريطة إقليمية معقدة جدا تجد إسرائيل نفسها داخلها، على اعتبار أن التقييم الإسرائيلي للأحداث السورية بأنها لا تنفصل عما يحصل في المنطقة من تطورات مشابهة في اليمن والعراق وليبيا.

وذكر بومس أن هناك أطرافا إيجابية داخل الساحة السورية يمكن لإسرائيل أن تنشئ معها تعاونا في المستقبل داخل سوريا، ومنها الجيش السوري الحر ومجموعات سنية محلية في جنوب سوريا والأقليات الدرزية والكردية.

أوفير فيتنر: يمكن فتح حوار مع جهات معتدلة داخل المكونات السورية مثل الدروز والأكراد لمواجهة مخاطر تنظيم الدولة الإسلامية

التنظيمات الجهادية
المشارك الثالث في هذه الدراسة أوفير فيتنر حاول البحث عن المخاطر والفرص التي تقف أمام إسرائيل في المشهد السوري فاقترح أن تقوم إسرائيل بتوسيع اتصالاتها مع الأطراف البراغماتية داخل سوريا، خاصة في جنوب الأراضي السورية على حدود إسرائيل في ضوء وجود مصالح مشتركة بين الجانبين.

وأوصى الباحث بفتح حوار مع الدروز باعتبارهم "الجهات المعتدلة" داخل المكونات المحلية السورية، وكذلك مع الأكراد لمواجهة مخاطر تنظيم الدولة، مشيرا إلى أن هذه الاتصالات كفيلة بإبقاء إسرائيل جزءا من عوامل التأثير في الساحة السورية، للمحافظة على مصالحها في أي ترتيبات مستقبلية للدولة السورية.

الدراسة أوصت كذلك بأن تقوم إسرائيل بجملة من الخطوات السياسية للتعامل مع التطورات المستقبلية داخل سوريا، أولاها تفعيل عملها ولقاءاتها مع مختلف الأطراف السورية خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية، وثانيتها بحث إسرائيل عن تقوية علاقاتها مع مختلف الجهات ذات العلاقة في الملف السوري، ولا سيما تلك التي تربطها بإسرائيل مصالح مشتركة.

وتوقعت الدراسة أن تستمر ما وصفتها بـ"التراجيديا السورية" سنوات عديدة قادمة، ويفترض أن تصبح تأثيراتها أكثر تعقيدا مع تزايد أعداد اللاجئين السوريين خارج منطقة الشرق الأوسط لتصبح القضية السورية ذات أبعاد سياسية وجغرافية وديمغرافية، وهو ما يتطلب من إسرائيل البحث عن بعض الفرص القائمة وسط جملة المخاطر الناجمة عن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا.

المصدر : الصحافة الإسرائيلية