أوردت صحيفة واشنطن بوست الأميركية أن الجنرال الليبي المنشق خليفة حفتر بدأ يفقد الدعم للعملية العسكرية التي أطلقها قبل أسابيع لمواجهة المليشيات الإسلامية التي تنتشر "كالوباء" في شرق ليبيا.

وقالت الصحيفة في تقرير أعدته المحررة إرين كنينغهام تحت عنوان "تراجع شعبية جنرال ليبي سابق يحارب الإسلاميين المسلحين وسط جمود في جبهات القتال"، إن كثيراً من الليبيين أيدوا العملية العسكرية التي أعلن عنها حفتر في مايو/أيار الماضي من أجل طرد "المتطرفين الإسلاميين" من مدينة بنغازي.

وأشارت إلى أن الليبيين رأوا في حفتر شخصية جريئة لديها الاستعداد لضرب المسلحين الذين يسيطرون على شوارع بنغازي، وذلك بعد سنوات من المعاناة بسبب الهجمات المسلحة دون رد من الحكومة.

واعتبر التقرير أن الحملة العسكرية التي يقودها حفتر دخلت في نفق مسدود، إذ تسببت في مقتل ما لا يقل عن 200 شخص بحسب الحكومة، ولا يستطيع أي من الطرفين الادعاء بأنه كسب المعركة.

كما أن دعوة حفتر لتخليص البلاد من الإسلاميين تثير قلقاً بشأن وجود طموحات سياسية أكبر مما جعل البعض أكثر حذرا من الحملة.

فارس على جواد
ونقل التقرير عن عضو المؤتمر الوطني العام في ليبيا محمد عبد الله قوله عن عودة حفتر المفاجئة والدرامية للحلبة السياسية إن الرجل "حاول تصوير نفسه فارساً على حصان أبيض جاء لإنقاذ الموقف".

مظاهرة مؤيدة لحفتر ببنغازي (غيتي/الفرنسية)

وأضاف أن نفوذ حفتر العسكري "محدود جداً، ولم يعد قادراً على إبقاء الوضع تحت السيطرة".

وجاء في التقرير الصحفي أيضاً أن حفتر لم يتمكن من الاستفادة من التقدم الذي أحرزه في هجمته الحالية رغم حصوله على دعم وأسلحة من قطاعات في قوات الأمن الليبية الرسمية.

وتابع التقرير أنه بالإضافة لأعداد الضحايا، تسبب القتال على مدى الشهرين الماضيين في إجلاء عدد من المناطق المدنية من سكانها في بنغازي، كما أن المتطرفين يقومون بهجمات مضادة متسببين بخسائر فادحة في قوات حفتر، ويغتالون المسؤولين المحليين.

وذكر التقرير أنه منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي عانت ليبيا من صعود تشكيلة من المليشيات المسلحة، التي تسعى لتكون متنفذة في الحكومة وفي المدن، ويُلقي الكثير من الليبيين باللائمة على المؤتمر الوطني العام، الذي يسيطر عليه الإسلاميون.

ويقول هؤلاء إنه (أي المؤتمر العام) لم يهمل فقط رجال المليشيات الذين يحرسون الشعب تارة ويستغلونه تارة، بل استفادوا من قوة المليشيات العسكرية في بلد يوجد فيه جيش وشرطة بالاسم فقط.

سيسي ليبيا
وأضاف التقرير أن النفوذ الذي مارسته المليشيات المسلحة في بنغازي -ومعظمها إسلامية- تسبب في إشكاليات أدت إلى تأسيس جماعة "أنصار الشريعة"، التي يتهمها السكان بالتسبب بأكثر حالات العنف.

حفتر متعطش جداً للسلطة، وحاولت الكثير من الحركات استغلال شعبيته، ولكن الشعب بدأ يبتعد عنه، غير أنه لن يتراجع حتى يصبح سيسي ليبيا

ومضت الصحيفة إلى القول إن حفتر وعد بملاحقة "أنصار الشريعة"، التي يتهم بعض أعضائها بالمشاركة في الهجمات عام 2012 على البعثة الدبلوماسية الأميركية وملحق الاستخبارات المركزية القريب في بنغازي، ولكنه سرعان ما استغل الشعور السائد ضد الإسلاميين ليوجه نيرانه لألوية إسلامية أخرى في بنغازي وأشرف على عملية اقتحام مقر المؤتمر الوطني العام في العاصمة طرابلس.

واعتبر التقرير أن توسيع حفتر مهمته أدى به إلى حالة الجمود في معركته ضد المليشيات في بنغازي، كما جعل الناس يضجرون من الحالة التي تسببت بخراب في مزارعهم وخسائر في ماشيتهم لدرجة أن إحدى القبائل الليبية طلبت من حفتر سحب جنوده من منطقتها وإلا ستضطر إلى الانضمام للمليشيات لمحاربته.

كما أن تحركات حفتر فضحت ما يصفها بعض المراقبين بالطموحات السياسية الدفينة لدى "الجنرال المارق"، ففي البداية كان يدعو لحكومة طوارئ بدلاً من المؤتمر الوطني العام وإجراء انتخابات جديدة، ولكن توجيهه الاتهامات إلى الإسلاميين غير المتطرفين ووضعهم في خانة واحدة مع الجهاديين كان إشارة إلى أن الرجل يحاول تقليد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الجنرال السابق الذي قام بحملة دموية ضد الإخوان المسلمين في مصر على مدى العام الماضي.

وذكر التقرير أن حفتر كان قد وصف، في مؤتمر صحافي في بنغازي، الفرع الليبي من الإخوان المسلمين بأنه "وباء لن تتقبله الأرض الليبية"، معتبراً أن تصريحاته هذه أثارت مخاوف الإسلاميين غير المؤيدين لأنصار الشريعة، إذ جعلتهم يشعرون بأنهم مستهدفون أيضاً.

ونقل التقرير عن عضو سابق في إحدى المليشيات السلفية في بنغازي قوله إن كلا الطرفين -أنصار الشريعة وحفتر- "غير شرعي ويعمل خارج إطار الدولة وتلك إشكالية للجميع، ولا نحب أي منهما، ونحن قلقون، إلى أين سيوصلنا هذا العنف؟".

كما نقل عن عبد الله الذي عمل مع حفتر قبل ثورة 2011 حين كان معارضاً للقذافي أنه يعتقد أن الجنرال المنشق يسعى للحصول على موقع رفيع في أي حكومة جديدة، مضيفاً "إنه متعطش جداً للسلطة، وحاولت الكثير من الحركات استغلال شعبيته، ولكن الشعب بدأ يبتعد عنه، غير أنه لن يتراجع حتى يصبح سيسي ليبيا".

المصدر : واشنطن بوست