لافروف (يمين) وبوتين ومواقف روسية تأبى الانصياع للغرب (رويترز)


قالت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية إن الغرب في حيرة من أمره إزاء مواقف روسيا التي يراها معيقة له في مسائل كثيرة، من الأزمة السورية إلى قضية التبني. بيد أن روسيا -كما ترى صحيفة كريستيان ساينس مونيتور- تنطلق في مواقفها من فهم مختلف اختلافا جوهريا لعالم ما بعد الحرب الباردة.

ويقر الأميركيون أحيانا بالهزيمة عندما يدركون أن من المستحيل عليهم أن يفهموا الروس، والشواهد على ذلك كثيرة، سواء في موقف موسكو الصارم من حرمان المواطنين الأميركيين من تبني يتامى روس وما رافق ذلك من خطاب ممعن في معاداته للأميركيين، واستخدام الكرملين المتكرر للفيتو ضد قرارات الأمم المتحدة المتبناة من الغرب والخاصة باتخاذ عمل جماعي بخصوص الأزمة السورية، أو حتى ما رشح من عجز وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري عن الاتصال هاتفيا بنظيره الروسي، سيرجي لافروف، طوال ستة أيام في بحر الأسبوع الماضي بغرض إجراء محادثات عاجلة معه بشأن كوريا الشمالية وسوريا.

ومع أن روسيا ليست هي الاتحاد السوفياتي السابق الذي كانت مواقفه تحددها قناعات فكرية صارمة، فإن العديد من الروس اليوم تنتابهم الحيرة والغضب إزاء الغرب. فالخبراء في موسكو يشددون على أن روسيا على دراية بوضعها الجيوسياسي وتتصرف على ضوئه، بينما يبدو الغرب في نظرهم مفتقرا بالمرة إلى إستراتيجية متماسكة أو قيم متناغمة.

أما الغرب فيرى أن روسيا تعاني في تطبيق الإصلاحات الديمقراطية وتسعى لأن تكون صنواً للغرب بعد أن خرجت من بين حطام الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لكنها بدأت تحيد تدريجياً عن الطريق القويم، على حد تعبير كريستيان ساينس مونيتور.

وعقب تولي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة عام 2000، انهمكت روسيا تماما في إحياء صيغ الخطاب السوفياتي وأساليبه القديمة.

يقول الروس إنه بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها وتفتت الاتحاد السوفياتي قبل عقدين من الزمان، ظل الزعماء الأميركيون يؤكدون لهم أن الأحلاف العسكرية سوف تُلغى، وأن نظاما عالميا جديدا سيتشكل.

وبدلا من ذلك رأى الزعماء الغربيون في انتهاء الحرب الباردة نصراً لهم، ومضوا في عزل روسيا وفي دفع مؤسساتهم -لا سيما حلف الناتو- نحو مناطق النفوذ السوفياتي السابق.

الغرب ينظر أحيانا إلى رفض موسكو المتكرر للقبول بموقف دولي موحد لإزاحة رجل سوريا القوي بشار الأسد عن السلطة على أنه خيار بوتين بالوقوف إلى جانب طاغية، وربما فقط للدفاع عن عقود تسليح بقيمة خمسة مليارات دولار أبرمها مع سوريا

يقول سيرجي كاراغانوف، الرئيس الفخري لمجلس السياسات الخارجية والدفاعية الروسي، هناك إجماع وسط النخبة الروسية أن الغرب خدع روسيا وخانها وعمد إلى تهميشها.

ويضيف "أما اليوم فنحن لا ننظر إلى الغرب على أنه عدو، بل على أنه فقد جاذبيته وبريق عصمته. وبإمكاننا التعاون معه في مختلف القضايا لكننا لن نثق فيه كما كنا نفعل في بواكير مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، فلدينا مصالح مختلفة تماما عن مصالحهم. ومن حيث الاقتصاد والجغرافيا السياسية والثقافة فإن روسيا مكانها غير مكانهم. لقد بدأنا نفهم أنفسنا بطريقة أفضل الآن".

ومن وجهة نظر العديد من الخبراء الروس، فإن بوتين وضع صيغة للدولة الروسية التقليدية من أبرز تجلياتها المركزية والعسكرية والتسلطية، لكنها دولة تفتقر إلى الجذور الثقافية والشرعية مما يجعلها عُرضة لذات المصير الذي عصف بروسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي في القرن المنصرم.

لقد صُدِمت موسكو أيما صدمة عندما اندلعت الثورات الديمقراطية المؤيدة للغرب في عدد من الجمهوريات التي كانت تنضوي تحت الاتحاد السوفياتي سابقا، مثل أوكرانيا وجورجيا اللتين تقدمتا بطلب الانضمام لعضوية الناتو.

وعندما بزغ الربيع العربي بثوراته اتسمت نظرة الكرملين إلى مآلاتها بنوع من الغموض. وبعد أن نجح الغرب في إقناع الرئيس السابق ديمتري مدفيدف بالامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي الذي يخول الناتو التدخل في ليبيا بذريعة حماية المدنيين، عارض القرار علنا رئيس وزرائه وقتها، بوتين.

يقول الروس الآن إنهم "خُدعوا مرة أخرى"، لأن الناتو سرعان ما استغل القرار على أنه تفويض بتقديم الدعم الجوي الكامل للثوار الليبيين، والذي انتهى بالإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.

غير أن الناس في الغرب ينظرون أحيانا إلى رفض موسكو المتكرر للقبول بموقف دولي موحد لإزاحة رجل سوريا القوي بشار الأسد عن السلطة على أنه خيار بوتين بالوقوف إلى جانب طاغية، وربما فقط للدفاع عن عقود تسليح بقيمة خمسة مليارات دولار أبرمها مع سوريا.

المصدر : كريستيان ساينس مونيتور