متظاهرون يرفعون لافتات تأييد لحزب النهضة (رويترز)
استهل سامي إبراهيم، وهو كاتب تونسي وناشط حقوقي، مقاله بصحيفة غارديان بأنه على الرغم من استقلال تونس عن فرنسا عام 1956 فإن السياسيين والإعلام الفرنسي ما زالوا يتدخلون في الشؤون الداخلية للبلاد.

وقال إن التونسيين حرقوا العلم الفرنسي للمرة الأولى في الشوارع منذ الاستقلال. ووقف المتظاهرون في ذكرى ثورة 14 يناير/كانون الثاني على بعد أمتار من السفارة الفرنسية يصيحون "اخرجوا"، لكن لم يكن النداء موجها هذه المرة للرئيس السابق زين العابدين بن علي، بل لفرنسا.

وأشار الكاتب إلى أنه خلال ثورة 2010 طالبت ميشال آليو ماري وزيرة الخارجية الفرنسية في حكومة ساركوزي فرنسا بدعم بن علي لقمع المظاهرات ضده. وقال إنه في ظل حكم الرئيس الاشتراكي الجديد فرانسوا هولاند يبدو أن فرنسا لم تتعلم من أخطاء آليو ماري. ولعدة أسابيع شنت وسائل الإعلام الفرنسية ما رأى فيه بعض التونسيين حملة لتشويه وذم تونس ما بعد الثورة.

وقال إن الأمور بلغت ذروتها بعد نقاش على التلفاز عن اغتيال المعارض شكري بلعيد عندما أعلن وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس أن تونس لم تكن نموذجا للربيع العربي بسبب "دكتاتوريتها الفاشية الإسلامية" بقيادة جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين التي شكلت تهديدا للحقوق والحريات في بلد يبعد ساعتين فقط بالطائرة عن فرنسا. وأضاف أن فرنسا لم تتمكن من التغاضي عن هذا الأمر وستدعم العلمانيين والحداثيين ضد من أسمتهم "الظلاميين".

منذ البداية لم تظهر فرنسا ثقة في الأحزاب الحاكمة أو الشعب التونسي. ومنذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول تجاهل المسؤولون الفرنسيون صراحة اختيارات الشعب بتقديم الدعم اللوجستي والمعاملة التفضيلية لرموز المعارضة

وعلق إبراهيم بأن ملاحظات فالس تزامنت مع حملة سياسية داخل البلاد استغلت اغتيال بلعيد للدعوة إلى إسقاط الحكومة المنتخبة وتنصيب هيئة غير منتخبة مكانها. حتى إن رئيس الوزراء التونسي السابق باجي قائد السبسي دعا إلى حل المجلس التأسيسي المنتخب على أساس أنه فقد شرعيته، للسماح لمجلس خبراء بتولي مهمة إعداد مسودة دستور البلاد.

وفي خضم هذا التوتر الداخلي، أعطى التحيز الصارخ لوزير الداخلية الفرنسي تجاه جزء من المشهد السياسي التونسي الانطباع بأن فرنسا تسعى لفرض اختياراتها على جمهور الناخبين التونسيين. ويبدو أن الساسة الفرنسيين لا يفهمون أن الانتقال إلى الديمقراطية يتطلب وقتا وجهدا يشمل إعادة هيكلة مؤسسات الدولة واستئصال الفساد وإقامة نظام عدلي.

ومنذ البداية لم تظهر فرنسا ثقة في الأحزاب الحاكمة أو الشعب التونسي. ومنذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول تجاهل المسؤولون الفرنسيون صراحة اختيارات الشعب بتقديم الدعم اللوجستي والمعاملة التفضيلية لرموز المعارضة. وهذا يخالف البروتوكول الدبلوماسي.

وتساءل الكاتب كيف لنا أن نفهم السياسة الخارجية الفرنسية فيما يتعلق بتونس؟ وقال إن باريس أصيبت بخيبة أمل من إحجام الحكومة التونسية عن القيام بمزايدتها. والتونسيون (على عكس الجزائريين) رفضوا فتح أجوائهم لتدخل القوات الفرنسية في مالي والحكومة التونسية أصدرت بيانات تعارض التدخل الأجنبي.

وبإمعان النظر في العلاقات الفرنسية التونسية سيتكشف أيضا دور النخبة الفرنكفونية التونسية، التي تعتمد عليها فرنسا في فهمها للسياسة التونسية. وهذه النخبة هي تابعة لفرنسا سياسيا وثقافيا إلى حد أن بعض أعضائها طالبوا بالتدخل المباشر لإنقاذ البلاد.

وقال إبراهيم إن معظم التونسيين يتطلعون إلى نموذج حداثي تتبنى فيه قيم الحضارة الإسلامية نظام حقوق عالمية. لكن هذا جهد ثقافي وتعليمي وسياسي ومدني يجب على الساسة والعلماء التونسيين والمجتمع المدني والمؤسسات في الجمهورية الوليدة أن يقوموا به بأنفسهم.

وقد استغرقت فرنسا أكثر من قرن لبناء ديمقراطيتها بعد الثورة الفرنسية. فهل تنكر على التونسيين نفس حق تقرير المصير؟

المصدر : غارديان