يرى أكاديمي فرنسي أن الحرب بمالي تكمن في عوامل الفشل وخيبة الأمل والإقصاء والإهانة (رويترز-أرشيف)

يرى أستاذ معهد باريس للدراسات السياسية برتراند بادي أن العملية العسكرية الفرنسية في مالي تشير إلى عودة خطيرة لنزاعات ضاربة في القدم، فالمنطقة تحولت بتواطؤ الجميع إلى مجتمع حربي يقوم منطقه على "ابتذال العنف".

ويقول بادي في مقاله بصحيفة "لوموند" أنه في وقت معين كانت المهمة سهلة: فقد كانت الحرب تقوم بين دولتين أو عدة دول تتنافس في القوة. وهذه المنازلة الكبرى بين دول، لها دبلوماسيون وجنود ومؤسسات وحدود ولديها ميل -في مرحلة معينة- إلى التفاوض، جزء من صميم التاريخ الأوروبي، بل إنها هي الأساس الذي تشكلت عليه خريطة أوروبا الحديثة.

ويتساءل الكاتب: منذ أيام يحدثوننا عن "حرب في مالي". فهل هي كذلك فعلا؟ إن المواجهة تحصل بين دولة أوروبية عجوز ودولة أفريقية فاشلة ومجموعات مسلحة تختلف وتختلط أسماؤها.

ويرى بادي أن هناك أمرا مؤكدا، وهو أن هذه المجموعات "ليست دولا وليست لها حدود ولا أراض ثابتة ولا مؤسسات ولا دبلوماسيون ولا حتى جنود بالمعنى التقليدي. كما أنها غير معنية بالتفاوض ما دام بقاؤها مرتبطا باستمرار النزاعات".

الأصولية الدينية تأتي ردا متوقعا على استقالة تامة وشاملة للسياسات الوطنية، والدولية بشكل خاص
"

ويلفت إلى أن هذا النمط من النزاعات يبرز للسطح عنفا نابعا من عمق المجتمعات المكلومة، غير المندمجة، أو المندمجة على نحو سيئ في الدول التي، بدورها، تعاني من التفكك أو الفشل منذ أكثر من نصف قرن. ولا تكمن مصادر النزاع في صراع القوة بل في عوامل الفشل وخيبة الأمل والإقصاء والإهانة، حين يراد من خلالها التعامل مع "مقاولين للعنف يجدون فيها ضالتهم".

استقالة السياسة
أما "الأصولية الدينية" فتأتي في هذا السياق بوصفها "ردا متوقعا على استقالة تامة وشاملة للسياسات الوطنية، والدولية بشكل خاص". فبدل أن يتم بناء مجتمع سياسي في الساحل، تحول عبر العقود -على مرأى ومسمع وبتواطؤ من الجميع- إلى مجتمع حربي على غرار أفغانستان والقرن الأفريقي والكونغو ومناطق أخرى.

ويشير بادي إلى أنه في القرون التي تفصلنا عن النهضة، عرفت الدول الحديثة كيف تحارب دولا تشبهها ويطلق عليها بوضوح وصف "المعادية". ولكنها لم تتمكن قط من الانتصار في مواجهة القوى النابعة من متاهات مجتمع يعيش أزمة.

مقاولو العنف
فمنذ مدة طويلة، كان من المستعجل الالتفات إلى معطى آخر من معطيات العولمة ألا وهو بروز بعض هذه المجتمعات، التي تركت لحالها أمام تحولات ما بعد الاستعمار، إلى اللعبة الدولية. ولكن من الذي اهتم بمنطقة الساحل؟ ومن الذي ساوره القلق من فشل بنيات السياسة في أفريقيا؟ بل من الذي لم يثن على مظاهر الضعف لكي تستمر؟

ويرى أن هذه النواقص تظهر اليوم في شكل متتالية مميتة، و"نعتقد بسذاجة أن بوسعنا التعامل معها من خلال حرب غير ملائمة ستغذي حلقات العنف المفرغة التي لا دواء لها إلا السياسة. أما استعمال القوة فينذر باشتدادها أكثر".

وفي رأي بادي هناك عاملان يجب أن يكونا حاضرين في الأنفس، فـ"مقاول العنف" -أي المسلحون- ليس مرتبطا بأرض، بل إنه جوال عبر فضاءاته الاجتماعية التي يدرك أنها ظهيرة له. وهذه هي طبيعة منطقة الساحل التي تشجع طبيعتها المناخية و"بؤسها الاجتماعي والسياسي" من ينخرطون خارج لعبة الدولة.

المسلحون قادرون على تعبئة حاضنتهم الاجتماعية بوصفها ظهيرا لهم (الفرنسية)

أما العامل الثاني فهو قدرة "مقاول العنف" على أن يعبئ لصالحه لعبة اجتماعية واسعة جدا، ليتمكن من خلق شبكات ذات طبيعة مختلفة "مافيوية" أو غيرها، واقتصاد حرب مزدهر، وأن يعبئ كذلك سكانا تخلت عنهم الدولة ويقربهم من ممارسات العنف.

والصومال وأفغانستان من بين حالات أخرى كان يفترض أن تعلمنا أن "المجتمع الدولي المزعوم" لم يجد لهذه الكوارث إلا الحلول السيئة، التي فاقمتها غالبا نظرا لأنها وسعت من حجم الآثار.

تناقضات بينة
ويرى بادي أن السبب هو عدم وجود مجتمع دولي من الأساس، فكل ما حصل هو إنشاء الأمم المتحدة في 1945 حتى لا تتدخل باسمها بل لتترك الأقوياء يتصرفون، وهؤلاء أنفسهم ينظر إليهم بكل ريبة، و"مقاولو العنف" يقفون لهم بالمرصاد.

كما أن "أقلمة الحلول" تستصحب تناقضات بينة: ففي كل نزاع لا حدود له تصبح الدول المجاورة هي أولى الضحايا. إضافة لذلك فإن دولا كأميركا وألمانيا باتت تتجه لفهم أفضل للمخاطر المترتبة على هذا النوع من المغامرات.

ويختم الأكاديمي الفرنسي بقوله: "أخيرا، فإن الحرب تقتل الخيال والكرم السياسيين اللذيْن نحتاجهما للتقدم، ففي زمن ماض كان الجنرال لويس فيدرب (1818-1889) -أحد القادة العسكريين للاستعمار الفرنسي في أفريقيا- يلاحق عصابات مسلحة كانت تهاجم قلاعه في الساحل، وهي مجموعات كانت يومها تبشر بإسلام راديكالي. فما الذي فعلنا منذ ذلك الحين؟".

المصدر : لوموند