الشعور بمرارة الهزيمة وضعف الثقافة والحقوق يدفع أفراد الجيش المالي إلى الثأر وفق "لـكسبريس" (الفرنسية)

كشفت "لـكسبريس" الفرنسية في تحقيق صحفي من خط المواجهة في مالي عن ارتكاب القوات الحكومية انتهاكات تضمنت انتقاما وإعدامات ميدانية. ويقول شهود "يكفي أن يكون المرء عربيا أو أن يلبس ثوبا تقليديا وألا يكون من السكان المحليين ليتم قتله".

وجمعت الصحيفة شهادات وصورا عن تلك الانتهاكات في بلدة "سفاري" (30 ألف نسمة) التي سيطرت عليها القوات الحكومية مدعومة بالفرنسيين. ويصف التقرير كيف تتراءى للعيان أجزاء من جثة عارية تم دفنها بخشونة، في أحد الأماكن المهجورة وسط مدينة سفاري والتي تتمركز فيها قوات مالية بينما يسيطر الفرنسيون على مطارها.

وتم دفن الجثة على بعد خطوات من "حي الأثرياء" بالمدينة. وقد أصر أحد الجيران، طالبا كتمان هويته، على أن يدل أحد الصحفيين الأجانب في غسق الليل على مكان الجثة. ويشرح الجار قائلا "يوم الجمعة سمعت أمي أصوات طلقات نارية. وقد انتظرتُ حتى حلول الظلام ثم ذهبتُ لأنظر...".

وتثير القوات المالية مشاعر الأمل والاعتزاز في مدينة سفاري، لكن بعض السكان اليوم يشعرون بالخوف على نحو خاص من جنود الجيش الوطني.

القوات الفرنسية تدعم جيش مالي في إعادة السيطرة على المناطق الشمالية (الفرنسية)

عمليات "اصطياد"
فقد أدت هواجس الخوف من تسرب جهاديين بالمنطقة الشبيهة بخط جبهة إلى حملة شعبية للتبليغ عن المشبوهين. ويبدو أن هجوم الجهاديين في 9 يناير/ كانون الثاني على مدينة كونا المجاورة -التي ما زال الدخول إليها محظورا على المنظمات غير الحكومية والصحفيين- أدى إلى هذه الحملة. ولكنها على ما يبدو تحولت إلى عملية اصطياد للبشر.

ويشرح عمدة موبتي، إحدى المدن القريبة من سفاري، قائلا "منذ هجوم الإسلاميين، أظهر السكان تضامنا مع السلطات. ويضيف عمر باتيلي "لقد أكدنا على الحاجة إلى التعاون مع الشرطة والجيش، وقد قوبل طلبنا بتجاوب جيد". ولكن النتائج كانت دموية، وفق الصحيفة.

وفي سفاري، وفق الشهادات التي جمعتها الصحيفة، حصلت إعدامات ميدانية في ثلاثة أحياء، إضافة إلى المخيم العسكري الذي يبدو أن عملية تصفية حصلت فيه الأسبوع الماضي. وأحد هذه الأحياء يسمي "الشيشان" وهو على مرمى حجر من حقل للرماية. فهنا تم ذبح "المشبوهين".

ويفيد الشاب "ميريام" بأنه شاهد جثة بدون رأس قد ألقيت في البئر يوم الجمعة. وفي اليوم التالي ألقى جنود يرتدون البذلة العسكرية الرسمية جثثا قالوا إنها لـ"متمردين" في أحد الآبار بحي "ويلهيرده" غير بعيد من المستشفى أمام مرأى الجميع.

في البئر
"كنت هنا.. القتلى كانوا متمردين"، كما يضيف موسى س ذلك العسكري السابق الذي لا يخفي حنقه على ذوي "البشرة الحمراء" وهو الاسم الذي يطلق هنا على قومية الطوارق. "لقد ألقوهم في البئر. أجهز الجنود أيضا على الجرحى من المتمردين، الذين جيء بهم من كونا. وتم إعدام الأحياء منهم. بعد ذلك غطوا الجثث بإطارات السيارات وسكبوا الوقود وأضرموا فيها النار". وتلطخ الدماء حافة البئر الذي تم إغلاقه جزئيا بصخور من الأنقاض. وتنبعث من المكان رائحة كريهة.

ويتحدث الشهود عن 25 إلى ثلاثين جثة تم دفنها في هذا الحي. وكما يفيد شابان فإن "كون المرء عربيا، أو من الطوارق أو يرتدي لباسا تقليديا لمن ليس من سكان سفاري، هو أمر كاف لتصفيته". أما "إطلاق اللحية فيعني الانتحار"، كما يقولان.

وفي يوم الجمعة أيضا، قتل رجل ونجله وهما منحدران من الشمال وكانا عابري سبيل بسفاري. تعرضا لضربات بالخناجر قبل أن تطلق عليها النار ثم ينتهي بهما الأمر في قاع البئر.

ذل الهزيمة
ويؤكد أحد الشبان بالمدينة أنه "إذا لم يتمكن المرء من تقديم بطاقة هوية، فإنه ينقل إلى الدرك. وإذا لم يتعرف أي من سكان سفاري على المشتبه فيه فإن مصيره الإعدام".

وتعترف قوات الدرك بالخطوتين الأوليين. لكنها تقول إن المشتبه فيهم ممن لم يتعرف عليهم السكان يتم نقلهم إلى باماكو ليخضعوا للمحاكمة. ولكن، للمفارقة، لا تحظى هذه المحاكمات بتغطية صحيفة كبيرة.

وترجح الصحيفة أن هواجس سكان سفاري -المتخوفين من أن يعاني ما عاناه سكان مدن الشمال من الإسلاميين- قد أعطت شعورا للجنود الماليين بأنهم لن يعاقبوا على أفعالهم، وتضيف أن الكثير من الجنود لن يغفروا للعسكريين الطوارق كونهم أداروا أسلحتهم في ربيع 2012 ضد "إخوتهم" الذين تم إعدامهم في "أغلهوك"، إحدى مدن الشمال، حين سيطر الثوار الطوارق، ثم المسلحون الإسلاميون لاحقا، على الشمال.

ونظرا للشعور بمرارة الهزيمة وضعف ثقافة حقوق الإنسان، يبدو الجيش المالي مصمما على الثأر "سرا" لكن بعيدا عن الصحفيين والمنظمات غير الحكومية، وفق الصحيفة.

وتختم "لـكسبرس" تحقيقها بالقول إنه منذ أيام عديدة تندد الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بحالات الإعدامات الميدانية، لكن الكولونيل ديدييه داكو، مسؤول العمليات في سفاري، يجيب لدى سؤاله عن الأمر بأنه لم يسمع شيئا.

المصدر : مواقع إلكترونية