النائب العام الإسرائيلي أعلن مؤخرا إقفال ملف التحقيق بحق ليبرمان (الأوروبية-أرشيف)

تعليقا على فضائح الفساد في إسرائيل التي شملت كبار السياسيين، نشرت مجلة فورين أفيرز مقالا
للكاتب أيدو بوم في هذا السياق، جاء فيه أن النائب العام الإسرائيلي يهودا فانيشتاين أعلن مؤخرا إقفال ملف التحقيق بحق وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان بشبهة استخدام شركات وهمية أجنبية لإخفاء أموال تلقاها خلال تسلمه منصبه، وأضاف فانيشتاين أنه "في حال عرض القضية أمام المحكمة فربما تتم تبرئة ليبرمان"، ولكنه ومع ذلك قرر تقديم تهمة أقل خطورة نسبيا بحقه وهي تهمة انتهاك ثقة الجمهور.

وليس من الواضح بعدُ الأثرُ الذي سيلحق بحياة ليبرمان السياسية، وما زال يلزم إعلان خاص من جانب المحكمة بأنه تصرف بطريقة غير أخلاقية لإجباره على الانسحاب مؤقتا من الحياة السياسية، وبالرغم من تقديم ليبرمان لاستقالته فإن استطلاعات الرأي ما زالت تقول إن حزبه اليميني المتطرف إسرائيل بيتنا سيكون شريكا في زعامة الائتلاف الحكومي القادم على افتراض أنه سيصدر حكم مخفف بحقه، مما يؤهله ليكون وزيرا رفيعا في الحكومة الإسرائيلية القادمة.

وعلى ضوء النتائج الهزيلة لملفات التحقيق في الفساد، يقر مسؤولون في وزارة العدل بأن ذلك يعد دليلا على تراجع قدرة تطبيق القانون في مواجهة السياسيين الفاسدين.

وفي هذا السياق، يقول برلماني إسرائيلي سابق له سجل في النشاط ضد الفساد، إن هناك ثلاثة أنواع من أعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، فمنهم من يتلقى الأموال داخل المغلفات حينما تعرض عليهم، ومنهم من يرفض مثل ذلك العرض، وفئة ثالثة لا يجرؤ أي منها على القيام بمثل ذلك العرض، ويبدو أن الفئتين الأخيرتين بدأت في التعرض لخطر الانقراض، والدليل على ذلك هو إبعاد ثلاثة من شخصيات الليكود من الحياة السياسية خلال انتخابات الليكود التمهيدية، ممن لا يفكرون في عرض أو قبول الرشا، وهم دان ميريدور، وبيني بيغن، وميخائيل إيتان.

لا توجد لدى الحكومة الإسرائيلية معلومات رسمية عن عدد التحقيقات التي طالت قضايا فساد السياسيين لكن الرقم ازداد في العقد الأخير خلال ولاية ميني مزوز كنائب عام في ولايته التي امتدت من 2004 إلى 2010

استشراء الفساد
مع ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، بات الفساد أكثر إدرارا للمال، فهل أصبح سياسيو إسرائيل أكثر فسادا من غيرهم؟ هذا ما يتبين للمراقب الخارجي 'فلا توجد لدى الحكومة الإسرائيلية معلومات رسمية عن عدد التحقيقات التي طالت قضايا فساد السياسيين'، لكن الرقم ازداد في العقد الأخير خلال ولاية ميني مزوز كنائب عام في ولايته التي امتدت من 2004 إلى 2010، فقد زاد عدد السياسيين الذين وجهت لهم التهم بالفساد وتمت إدانتهم خلال فترة ولايته أكثر من أي ممن سبقوه، ومنهم أبرهام هيرشون وزير المالية الذي حكم عليه بالسجن بسبب الاختلاس، ووزير الرفاه الاجتماعي شلومو بن عيزري الذي أدين بتلقي الرشوة، وكذلك وزير الأمن القومي صاحي هانيغبي الذي حوكم بسبب الإدلاء بشهادة كاذبة، وكذلك عضو الكنيست عمري شارون -ابن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق أرييل شارون- الذي حكم عليه بالسجن لمخالفات مالية انتخابية، وهناك أيضا أربعة أعضاء كنيست إضافيين على الأقل.

وكان على رأس القائمة توجيه النائب العام مزوز التهمة بالفساد لرئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود أولمرت عام 2009 مما تسبب في استقالته وفتح الباب أمام انتخاب نتنياهو، وقد أدين أولمرت في شهر يوليو/تموز الماضي بتهمة خيانة ثقة الجمهور، ولكن تمت تبرئته من التهم الأخرى، رغم أن المحكمة تبين لها أنه خلال عمله كوزير تلقى مغلفات غير موثقة تحوي كميات كبيرة من المال من رجل أعمال يهودي أميركي.

ولم يكن مفاجئا على ضوء هذه التهم الخطيرة، أن يشعر الإسرائيليون بأن الفساد يتصاعد في بلادهم، 'فقد صنفت مجموعة الشفافية الدولية الخاصة بالفساد في عام 2012 إسرائيل في المرتبة 24 من بين دول منظمة التعاون المتقدمة والمتطورة البالغ عددها 37، والتي كانت إسرائيل تحتل فيها المرتبة 15 قبل عقد من الزمن.

وبينما يقول المتفائلون الحكوميون الرسميون إن هناك جانبا مشرقا في تدهور تصنيف إسرائيل لكون التصنيف يعتمد على استطلاعات الرأي، وإنه كلما زادت مكافحة السلطات للفساد، زادت التغطية الإعلامية وحذر وإدراك الجمهور، وإذا ما صحت هذه النظرية 'فإن الدول المدرجة في أسفل القائمة كأكثر الدول فسادا' ربما ستكونان الأنظف والأعدل فيها جميعا، لكن كوريا الشمالية والصومال وكل منهما في المرتبة 174، ليستا بالضبط مثالا يحتذى للحكم الرشيد.

وهناك بعض المصداقية فيما يقال من أن الفساد في إسرائيل يبدو سيئا بشكل خاص بسبب يقظة وحماسة من شغلوا منصب المدعي العام، وكذلك وسائل الإعلام المتحمسة والمفتوحة في إسرائيل، لكن ليس معنى هذا أن القضية مجرد وجهة نظر شعبية، وبالنسبة لدولة ذات اقتصاد نشط، فإن معظم القطاع الخاص في إسرائيل يبقى منظما بدرجة عالية، ومنه يأتي لفيف من السياسيين، ولكن مع محاولة عدد من المسؤولين الذين تمت إدانتهم في الماضي العودة إلى دخول الكنيست مرة أخرى، فإن إسرائيل ما زالت بحاجة إلى الاستمرار في مكافحة الفساد.

النظام الانتخابي التمهيدي الذي تتبناه معظم الأحزاب أدى إلى جعل مصير السياسيين رهنا بأيدي مجموعة صغيرة نسبيا من أعضاء الحزب، وفي حال انتخاب سياسي على رأس قائمة حزبه، فإن ذلك لا يعني دخول الكنيست فحسب ولكن الدوس على شرف المنصب في حال انضمام الحزب إلى الائتلاف الحكومي

الفساد والانتخابات
وكان الدافع لمعظم السياسيين الفاسدين هو الرغبة في عودة انتخابهم وتجاوز القيود المفروضة على تمويل حملاتهم الانتخابية، ففي عام 2000 فتحت الشرطة تحقيقا في حملة إيهود باراك الانتخابية الذي كان يومها رئيسا للوزراء بشبهة التحايل على القانون عن طريق توجيه ملايين من الشيكل (العملة الإسرائيلية) كمساهمات سياسية لجمعيات مستقلة دعمت حملته الانتخابية، كما فتح تحقيق مشابه ضد حزب إسرائيل بيتنا في نفس السنة، ولكن السياسيين ومساعديهم المتورطين اختاروا التزام الصمت، وتم إغلاق تلك القضايا بداعي نقص الأدلة.

وفي نفس الوقت، فإن النظام الانتخابي التمهيدي الذي تتبناه معظم الأحزاب الإسرائيلية 'أدى إلى جعل مصير السياسيين رهنا بأيدي مجموعة صغيرة نسبيا من أعضاء الحزب، وفي حال انتخاب سياسي على رأس قائمة حزبه، فإن ذلك لا يعني دخول الكنيست فحسب ولكن الدوس على شرف المنصب في حال انضمام الحزب إلى الائتلاف الحكومي، وهذا ما دفع بالوزراء خلال معظم العقد الماضي إلى مكافأة ناخبيهم المخلصين بوظائف مدنية، وعلى سبيل المثال أشار تقرير مراقب الدولة عام 2004 إلى 'أن هانغبي عين أكثر من 80 من أقاربه من حزب الليكود في مناصب في وزارة شؤون البيئة'، وبدأ النائب العام في كبح جماح هذه المشكلة عن طريق توجيه التهمة لهانغبي بتعيينات سياسية غير ملائمة، وبالرغم من تبرئة هانغبي من معظم تلك التهم فإن المحكمة وجدته مذنبا بإعطاء إفادات كاذبة، وأجبر على ترك معترك الحياة السياسية، وبذلك تكون هذه الخطوة قد حالت دون تعيينات كهذه.

وتدور أحدث تحقيقات الفساد حول دافع بسيط وهو الجشع، فمع تزايد النشاط الاقتصادي وازدهاره في إسرائيل في السنوات الأخيرة، وكون الفساد أضحى أكثر ربحا، تم تخصيص بعض قطاعات الاقتصاد، ولكن الحكومة تستمر في توجيه ومراقبة المصادر القومية، وعليه فقد أصبح النفوذ على السياسيين منجما من الذهب.

العديد من كبار المسؤولين في وزارة المالية يعملون مع شركات صناعية تعتمد بشكل كبير على الحكومة في إدارتها، وحيث إن وزارة المالية تشرف وتراقب كافة العقود الحكومية الرئيسية وهي رئة تلك التجمعات، فلدى رجال الأعمال هؤلاء كل الأسباب لتوظيف مسؤولين سابقين

تركيز الثروة
وكشفت لجنة حكومية مختصة بفحص تركيز الثروة في إسرائيل أن أقل من 20 عائلة تسيطر على أكبر التجمعات الاقتصادية ومن خلالها تسيطر على معظم الاقتصاد، ومنها من يعتمد على الحكومة في جني الأرباح، ونتيجة لذلك فقد تأصلت وتجذرت ظاهرة الباب الدوار داخل الحكومة، وعلى سبيل المثال فإن العديد من كبار المسؤولين في وزارة المالية يعملون مع شركات صناعية تعتمد بشكل كبير على الحكومة في إدارتها، وحيث إن وزارة المالية تشرف وتراقب كافة العقود الحكومية الرئيسية وهي رئة تلك التجمعات 'فلدى رجال الأعمال هؤلاء كل الأسباب لتوظيف مسؤولين سابقين، ولكي تعرف كيف أن الأرباح الكبيرة تتسبب في فساد كبير، يكفي أن تنظر إلى سوق العقارات' فلدى إسرائيل بعضا من أعلى أسعار البيوت في العالم، وعليه فقد أوعز مزوز في بداية ولايته كنائب عام إلى الشرطة للتحقيق في هذه المشكلة.

انتهى الأمر بالعثور على مزيد من الأدلة لتوجيه التهم إلى أولمرت لكونه تسلم رشا خلال عمله كرئيس لبلدية القدس من أجل زيادة عدد الشقق في مجمع إسكان ضخم يعرف بمشروع الأرض المقدسة في إحدى الضواحي السكنية بالعاصمة، وما زالت محاكمة الرشوة هذه في بداية مراحلها، ومن المحتمل أن تبقي أولمرت خارج الحياة السياسية إلى أن يتم البت فيها، وستستغرق سنة إضافية أو سنتين.

تعتبر إسرائيل دولة صغيرة توجد فيها شبكة مصالح للسياسيين ورجال الأعمال، ولا يوجد الكثير مما يمكن إخفاؤه، ولكن ما تراه الجماهير يمكن ألا يتم إثباته داخل المحكمة وأمام القضاة، فمعدل الإدانات في إسرائيل فوق 90%، ولكن نظرا لكون مجتمع المتنفذين الإسرائيليين متعصبا ومتنفذا، فمن الصعب إيجاد شاهد يرغب في الإدلاء بشهادته ضد سياسيين، 'ففي محاكمة أولمرت يعتمد الادعاء على شخص ملتو رفض الإدلاء بشهادته إلى أن دفع له مبالغ كبيرة من المال، أما قضية أصحاب الشركات الأجنبية الوهميين فقد أغلق الملف بعد وفاة شاهدين واختفاء الثالث، ورفض الرابع العودة لإسرائيل.

وبالمقارنة مع ولاية مزوز، فإن عدد السياسيين الذين تم التحقيق معهم قد تراجع خلال ولاية فاينشتاين، وربما يعود ذلك في جزء منه إلى كون بعض السياسيين قد استخلصوا العبر ورفضوا قبول الرشا، بينما عرف الآخرون كيف يخفون نشاطاتهم الفاسدة بطريقة أفضل، كما أن النيابة العامة الإسرائيلية تلقت لطمة بعد تبرئة أولمرت، وعليه فقد باتت في وضع أقل تحديا، 'فمنذ ثلاث سنوات قريبا من موعد تسلم فاينشتاين لمنصبه' اقترب بروفيسور إيطالي من محام إسرائيلي -خلال مؤتمر في أوروبا- قائلا له نريد مساعدتكم في كيفية محاربة الفساد من قبل رجالكم، أما اليوم فقد انقلبت الأمور رأسا على عقب، فقد أطيح ببرلسكوني من سدة الحكم، في حين أن أسهم ليبرمان ما زالت في تصاعد، بينما يدور جدل حول إمكانية عودة أولمرت لتزعم جبهة اليسار والوسط، وهناك وزيران سابقان على الأقل أدينا بالفساد -وهما هانغبي وأرئيه درعي- على وشك انتخابهما للكنيست، ومن المحتمل تسلمهما مناصب وزارية، ولعل الأسوأ من ذلك كله عدم وجود من يلقي بالا لذلك.

المصدر : فورين أفيرز