جنود مشاة إسرائيليون أثناء عمليات تدريبية (الفرنسية-أرشيف)

عوض الرجوب-الخليل

كشفت وثائق حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 -والتي بدأ الجيش الإسرائيلي نشر بعضها مؤخرا- عن قصور استخباري إسرائيلي، تم خلاله تجاهل معلومات وردت في رسالة لعميل مصري بأن الحرب واقعة وعلى نحو وشيك، بحسب صحف إسرائيلية.

ووفق ما أوردته صحيفة "إسرائيل اليوم" الجمعة فإنه في كل مرة يسمح فيها أرشيف الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع بنشر مزيد من التفاصيل عن الحرب، لا يمكن للمرء إلا أن يبقى مفغور الفاه في ضوء سلوك القيادة الإسرائيلية.

وأوضحت شهادات أدلى بها في حينه مسؤولون إسرائيليون للجنة "أغرانات" -التي شُكلت للبحث في أسباب الهزيمة- أن القصور الأكبر نشأ حول الإخطار المركز والمصدق عن قرب الحرب والذي نقله المرة تلو الأخرى عميل الموساد الكبير أشرف مروان.

شعبة الاستخبارات الإسرائيلية لم تول اهتماما للمعلومات التي قدمها العميل المصري، وقدرت أن احتمال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973منخفض، وكانت هذه مجرد المرحلة الأولى من المهزلة

ليست مناورة
ونشر الجيش الإسرائيلي شهادات كل من وزير الخارجية حينذاك أبا إيبان، وقائد المنطقة الجنوبية شموئيل غونين (غورديش)، وقائد المنطقة الشمالية إسحق حوفي، وألفرد عيني مساعد رئيس الموساد، وإسحق ليئور السكرتير العسكري لرئيسة الوزراء.

وتابعت الصحيفة الإسرائيلية أن أحد أعضاء لجنة التحقيق يدعى يغآل يدين واجه السكرتير العسكري لغولدا مائير ببرقية نقلها مروان إلى الموساد يوم 1 أكتوبر/تشرين الأول، وجاء فيها "بعد أسبوع سيفتح المصريون حربا من خلال مناورة"، فسأل رجال الموساد مرة أخرى "أنت تتحدث عن مناورة أم عن حرب؟"، فيوضح مروان "أنا أتحدث عن حرب ولا أتحدث عن مناورة.. الحرب ستندلع تحت غطاء مناورة"، وفي الموساد لم يكتفوا وسألوا مرة ثانية، وفي الثاني من أكتوبر كرر مروان قوله "النية للهجوم".

وتبين الوثائق -كما تقول الصحيفة- أنه رغم لغة الإخطار وتكراره، اعترف رئيس الموساد بأن الوثيقة لم ترسل إلى رئيسة الوزراء مائير، بينما علم السكرتير العسكري بالبرقية بعد الحرب فقط.

وتضيف الصحيفة أن الموساد لم يول أهمية كبيرة جدا للإخطار، في حين قدرت شعبة الاستخبارات أن احتمال الحرب منخفض، "وكانت هذه مجرد المرحلة الأولى من المهزلة".

ومرة أخرى، يفاجأ العميل الإسرائيلي بعدم الاكتراث الإسرائيلي، ثم يبعث ببرقية "عاجلة" إلى مقر الموساد في ليلة الخامس من أكتوبر/تشرين الأول ويطلب لقاء رئيس الموساد على عجل في لندن، فقدّر ألفرد عيني مساعد الرئيس أن البرقية هامة جدا، فأيقظ رئيس الموساد زمير الذي قرر السفر في الصباح.

ويضيف عيني في شهادته أن رئيسه أبلغه في الصباح بمعلومات مشابهة مصدرها رئيس شعبة الاستخبارات، "فتبين لي أنه (زمير) لم يفهم بلاغي الأول بما يكفي.. بمعنى: كان نصف نائم على ما يبدو، فأبلغته بأن ما نقلته له يعني حقا إخطارا بالحرب.. فقال لي: إذا  كان كذلك، فإنه سيهاتف مرة أخرى رئيس شعبة الاستخبارات وينقل له الأمر".

وفي لندن -تضيف الصحيفة في تقريرها- التقى رئيس الموساد بمروان، وفي شهادته للجنة فصّل النائب كيفَ هاتفَه رئيسُه (رئيس الموساد) عند الساعة الثانية من ليلة السادس من أكتوبر وروى له بكلمات سرية التفاصيل الدقيقة التي سلمها المصدر في لندن. ولم يكن في رسالته أي لبس: الحرب ستنشب "اليوم بالذات". وتختم "عند الساعة 14:00 في ذات اليوم، شن الجيشان السوري والمصري هجوما مشتركا على إسرائيل".

أحد أسباب تأخير نشر وثائق حرب 76، طلب ممثلي أرشيف الجيش الإسرائيلي إبقاء أجزاء كبيرة من محاضر الجلسات سرية رغم أنها كانت متاحة للباحثين

ليست سرية
من جهتها ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن قسم الإعلام بوزارة الدفاع أعلن هذا الأسبوع نشر شهادات أشخاص ذوي شأن أدلوا بها عام 1973 أمام لجنة أغرانات "باعتبار ذلك جزءا من سياسة وزارة الدفاع لفتح مواد أرشيفية ذات معنى تاريخي".

لكن الصحيفة تضيف أن هذا الإعلان "يعارض الواقع معارضة شديدة جدا"، موضحة أن الحقيقة هي أن محاضر الجلسات علاها الغبار في أرشيف الجيش الإسرائيلي من غير أن يمسها أحد سنوات طويلة ودونما سبب يمنع نشرها.

وأوضحت أنه في العام 2005 وإثر ضغط عام، أمر رئيس الوزراء أرييل شارون بإنشاء لجنة تفحص إمكانية النشر، وجعل رئيسها القاضي إسحق اينغلارد، "ومنذ ذلك الحين يجري عمل اللجنة متثاقلا وهي تُجيز بين الفينة والأخرى نشر جزء من الوثائق".

وقالت الصحيفة إن أحد أسباب التأخير طلب ممثلي أرشيف الجيش الإسرائيلي إبقاء أجزاء كبيرة من محاضر الجلسات سرية، رغم أن هذه المعلومات كانت في متناول أيدي باحثي تلك الفترة.

وأشارت إلى أن قضية محاضر الجلسات المخزونة ولجنة أغرانات مثال واحد على توجه جهاز الأمن الذي يفعل كل شيء "ليمنعنا نحن الجمهور من الوصول إلى ملفاته التاريخية التي هي تاريخنا جميعا، فالذي يتحكم بالماضي يتحكم بالحاضر وربما بالمستقبل أيضا".

المصدر : الصحافة الإسرائيلية