التدخل العسكري الغربي في ليبيا لم يؤد لتقسيم البلاد إلى دولتين  (رويترز أرشيف)
نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا للكاتب روس داوثات حول التدخل الأميركي لصالح الثورة في ليبيا، مشككا في حكمة "التخطيط الإستراتيجي"، وفي صدق الدوافع "الأخلاقية" لهذا التدخل. وقال الكاتب إن الثورة الليبية تسببت في حرب أهلية واحتمال قيام نظام حكم "ديني" في دولة مالي.

وقال الكاتب إنه -بعد تسعة أشهر من سقوط العقيد الليبي الراحل معمر القذافي- تلاشى التدخل الغربي في ليبيا في ثقب الذاكرة الأميركية. وكان ذلك التلاشي بالنسبة لأبطال التدخل دليلا على النجاح الكبير لذلك التدخل.

وأشار داوثات إلى أن مؤيدي التدخل يقولون إنه أطاح بدكتاتور، وساعد "حلفاءنا الغربيين"، ولم يتسبب في هلاك أرواح الأميركيين، ولا إضعاف مركز أميركا السياسي.

ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن الأمور ليست بهذه البساطة في شمال إفريقيا. ويقول إنه صحيح أن توقعات المناوئين للتدخل لم تتحقق. "لم نتسبب في تقسيم ليبيا إلى دولتين ولا في خلق أزمة إنسانية أكثر من التي كنا نأمل معالجتها، لكن أسوأ نتائج التدخل في ليبيا لم تحدث فيها، بل هي في طريقها إلى أن تحدث في دولة مالي المجاورة".

وأشار إلى أن الاهتمام بدولة مالي ضعيف رغم أن تعداد سكانها ضعف سكان ليبيا، وذلك بسبب أنها ليست دولة نفطية وليست لها أهمية إستراتيجية. ووصفها بأنها من نوع الأماكن التي تتم تغطية شؤونها السياسية في الصفحات الأخيرة للمجلات المتخصصة بالسياسة الخارجية وفي كبسولات مراجعات الكتب.
أسوأ نتائج التدخل في ليبيا لم تحدث فيها، بل هي في طريقها إلى أن تحدث في دولة مالي المجاورة

لكنه يقول إن شمال شرق مالي جزء من نفس إقليم الصحراء الذي يضم جنوب ليبيا، الأمر الذي يعني أن الأسلحة والمقاتلين قد انتقلوا بسهولة من الحرب الليبية عبر الجزائر إلى مالي، ليحوّلوا تمردا طال غليانه إلى حرب أهلية متعددة الجبهات.

وأوضح أن معظم متمردي مالي من الطوارق البربر الذين تعبر منطقتهم عددا من الحدود الوطنية، وأن ثورتهم منحتهم مؤخرا سيطرة فاعلة على النصف الشمالي لدولة مالي الذي يسمونه أزواد.

واستمر الكاتب يستعرض الأحداث التي جرت في مالي، مثل الانقلاب العسكري والمواجهات العسكرية القصيرة والتحالفات في شمال مالي، إلى أن وصل إلى القول إن قوة تُسمى "أنصار الدين" ولها علاقة بتنظيم "القاعدة بالمغرب الإسلامي" استولت على المدن الرئيسية بالشمال بعد إطاحتها بحلفائها السابقين، وبدأت تنفذ "حملة تخريب ضد الآثار" بالمنطقة على طريقة طالبان.

وقال إنه لا توجد فرصة البتة لتدخل أميركي وفرنسي وبريطاني لإنقاذ المدنيين الموجودين في خطوط النار بين القوتين المتصارعتين في مالي.

وعلق بأن الشبه القريب بين الحربين الأهليتين في كل من ليبيا ومالي يجب أن يجعلنا نشكك في "الدوافع الأخلاقية" لصقور التدخل في ليبيا. "فإذا كان أنصار التدخل في ليبيا يريدون الادعاء بحقهم في إطرائهم لإنقاذهم الأرواح في بنغازي، فإن عليهم أن يعترفوا بأن خيارهم ذاك سينتهي بزهق أرواح في تمبكتو".

ومن الناحية الإستراتيجية، يقول الكاتب إن الإطاحة بدكتاتور في أحد البلدان سيكون أقل فائدة إذا تسبب في قيام "نظام ديني" في بلد مجاور.

وأشار إلى أن مالي ربما لا تكون مهمة إستراتيجياً اليوم، "لكن أفغانستان نفسها كانت لا تبدو مهمة عندما استولت طالبان على السلطة". وقال إن ما يحدث في مالي هو واحد فقط من التداعيات الكثيرة للإطاحة بالقذافي.

واختتم الكاتب مقاله قائلا "لا يعني كونُ تدخلنا كان محدودا أن نتائجه الطويلة المدى ستكون محدودة. فالحرب لديها حياتها الخاصة: تنتشر التمردات، والسلاح المجهز لهدف معين ينتهي لخدمة هدف آخر، ومن النادر أن تقيد الخطوط على الخرائط الاضطرابات".

المصدر : نيويورك تايمز