المواطنون يواجهون الحروب والمجاعات ويزداد اعتمادهم على منظمات الإغاثة (الأوروبية)
 
مضى عام كامل منذ احتفال جمهورية جنوب السودان باستقلالها.. كانت لحظة مفعمة بالأمل لكل من الدولة الوليدة والقارة السمراء. لكن، وبينما تحتفل أحدث دولة في العالم بعيد ميلادها الأول الاثنين المقبل 9 يوليو/تموز الجاري، تعاني من آلام كثيرة.
 
وفي تقرير مطول بصحيفة نيويورك تايمز عن جنوب السودان، يقول الكاتب روس وين جونس إنه وفقا لأرقام الأمم المتحدة وبعد عام من الاستقلال، هناك نحو 4.7 ملايين نسمة -وهو أكثر من نصف عدد السكان في جنوب السودان- ليس لديهم ما يكفي من الطعام، أو يتعرضون لأزمة غذاء حادة وشيكة.
 
ويعد ذلك جزئيا ميراثا من أزمات المواد الغذائية التي تعود إلى ما قبل عقود من الصراع المسلح، لكن العاملين بمنظمات المساعدات الإنسانية يقولون إن عدد الجياع حاليا أكثر من عددهم في أي وقت مضى منذ توقيع اتفاقية السلام في السودان.
 
وكان النفط قبل عام وقود ماكينة الاقتصاد حرفيا مع توفيره 98% من دخل دولة جنوب السودان, وفي يناير/كانون الثاني الماضي أوقفت الحكومة إنتاج النفط وأغلقت مصدر دخلها الوحيد تقريبا.
 
ومنذ ذلك الإغلاق ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 120% مع تدفق اللاجئين العائدين إلى الجنوب، حيث عاد بعضهم باختياره، لكن آلافا آخرين أمِروا بمغادرة السودان.
جنوب السودان اليوم ليس هو الجنوب المتصوّر قبل عام، فبعد خمس سنوات من توقيع اتفاقية السلام الشامل ودخولها حيز التنفيذ، بدأ الجنوب ينزلق إلى زمن الحروب والأزمات الغذائية وشح المياه الناتج عن الحرب والفشل السياسي، لا عن شح متأصل في الموارد

وصل أكثر من 400 ألف لاجئ خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2010 والأسبوع الأول من يونيو/حزيران الماضي، ومعظمهم جاء معدما. وفي الفترة نفسها نزح مئات الآلاف في شمال ولاية بحر الغزال بالجنوب من قراهم بسبب استمرار القتال والحرب.

ويوضح الكاتب أنه قبل عام في جوبا -العاصمة الجديدة لدولة الجنوب- كانت سنوات الحرب والجوع تبدو وقد ابتعدت إلى غير رجعة، وأن قادة حرب العصابات السابقين قد فتحوا صفحة جديدة من حياتهم، تزينها الأزياء العسكرية الأنيقة والميداليات المذهبة وسيارات الدفع الرباعي ذات النوافذ الخفيفة التعتيم. وكان النساء يغنين ويزغردن، والجميع يرقص في الشوارع، وقد ذبحوا الأغنام بجميع أرجاء الدولة الوليدة. واستمرت الاحتفالات أربعة أيام.

ويتابع بأن جنوب السودان اليوم ليس هو الجنوب المتصوّر قبل عام، فبعد خمس سنوات من توقيع اتفاقية السلام الشامل ودخولها حيز التنفيذ، بدأ الجنوب ينزلق إلى الوراء.. إلى زمن الحروب والأزمات الغذائية وشح المياه الذي كان نتاجا للحرب والفشل السياسي، وليس لشح متأصل في الموارد.

مرة أخرى يعود جنوب السودان إلى الاعتماد على منظمات الإغاثة للحفاظ على حياة الملايين من سكانه، وبدأ كبار المانحين يتململون. فإذا كانت الحكومة قد أغلقت مورد دخلها الرئيسي، فمن سيسد الفجوة؟

في جنوب السودان سيقول لك الناس لا خيار لحكومتهم غير وقف ضخ النفط، "فعدوهم القديم في الشمال يسرق نفطهم، وحكومتهم لا تستطيع العمل، وقوات الرئيس السوداني عمر البشير الخاصة تقصف القرى في المناطق الحدودية القريبة من حقول النفط".. أغلقت حكومة الجنوب أنابيب النفط لإغاظة جارتها في الشمال، لكن مواطنيها بدؤوا يعانون بشدة.

ورغم وراثتها أسوأ الأرقام في ترتيب دول العالم في الفقر والتعليم والدخل وفقا للكاتب، كان من المتوقع أن تصبح دولة جنوب السودان بلادا ثرية، حيث يستطيع الأطفال -بعد أربعة عقود من الصراع المسلح- الذهاب أخيرا إلى المدارس. لكن، وعوضا عن ذلك سمعنا أخبارا غير مؤكدة رسميا عن انضمام المدرسين في ولاية بحر الغزال إلى الجيش، لأن رواتبهم توقفت بسبب الأزمة المالية الناتجة عن وقف تدفق النفط.

ويختم الكاتب بالقول إنه رغم كل ذلك يجد الناس في جنوب السودان وهم يواجهون المجاعة والأزمة الاقتصادية والحرب والأمراض والتجاهل والقنابل والعنف الوحشي.. يجدون طريقهم للحفاظ على حياتهم. وفي تناقض مع كل منطق بشري، لا يزالون مفعمين بالأمل.

المصدر : إندبندنت