بعض تدخلات السلفيين في الحياة العامة أدت إلى نشوب أعمال عنف في أنحاء عدة بتونس (الجزيرة)

من المعروف عن التيار السلفي أنه ينشد رؤية وتطبيقا صارمين لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ولكن صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية تقول إن هناك بلدة تونسية شهدت انتحار شاب بشنق نفسه من منارة أحد المساجد، إلا أن رد فعل المدينة والطريقة التي نعي بها الشاب المنتحر، تظهر جانبا أكثر لينا في العقيدة السلفية.

فوجئ أهالي بلدة قبلاط في غربي تونس يوم الاثنين الماضي، بجثة شاب تتدلى من منارة مسجد البلدة، وظهر بعد ذلك أنه الحداد الشاب محمد علي الرياحي والذي يظهر أنه ذهب ضحية عملية انتحار.

وقد أثار انتحار الرياحي الألم في البلدة التي يعرف عن أهلها أنهم من التيار السلفي، ورغم أن قتل النفس يعتبر إثما في الإسلام، فإن أهالي البلدة توحدوا بالشعور بالحزن على الحدث الجلل.

ويقول أيمن الرياحي (لا يمت للمنتحر بصلة قرابة رغم تشابه الاسم) إمام المسجد "نشعر جميعا بالأسى ونحاول التعلم من الدرس الذي نتج عن هذا الانتحار. علينا أن نعلم شبابنا بأنه لا يوجد هناك أي سبب يستحق أن يحرم الإنسان نفسه من حق العيش".

أيمن الرياحي هو مسلم سلفي محافظ، ملتح ومعتد بنفسه. أثار ظهوره في البلدة إبان الثورة التونسية لغطا بين أهلها، خاصة بعد أن ضعفت سيطرة نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي على المساجد، فأصبح هو إمام المسجد وغادر الإمام السابق البلدة.

وكانت تونس قد عاشت عقودا من العلمانية تحت حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي. أما اليوم، ففي تونس ائتلاف حاكم يقوده حزب إسلامي معتدل هو حزب النهضة إلى جانب حزبين آخرين من ذوي الميول العلمانية. والحال هذه، تتصاعد دعوات أقلية تنتمي إلى التيار السلفي إلى حكم إسلامي خالص، وهو أمر يعتبره التيار السلفي أنه الاحترام الذي يستحقه الدين الإسلامي. إلا أن الدعوات لحكم إسلامي خالص قد تسبب موجات عنف عديدة في البلاد.

وشهد الشهر الماضي تخريب السلفيين لمعرض فني في العاصمة تونس، واعتبروا إقامته كفرا، واستغل بعض الشباب المستاء من سوء الحالة الاقتصادية الإرباك الذي حصل نتيجة تدخل السلفيين واصطدم بقوات الشرطة. وفي بلدة قبلاط تظاهر السكان خارج مقر الحرس الوطني للاحتجاج على الأعمال الفنية.

الناس ينعتوننا بالإرهاب. ولكن في الحقيقة، إننا ببساطة ندافع عن حقنا في العيش في بلد إسلامي تحكمه الشريعة الإسلامية. نريد أن نعيش كما يأمرنا الله

يقول أيمن الرياحي "الناس ينعتوننا بالإرهاب. ولكن في الحقيقة، إننا ببساطة ندافع عن حقنا في العيش في بلد إسلامي تحكمه الشريعة الإسلامية. نريد أن نعيش كما يأمرنا الله".

تغلب على بلدة قبلاط بساطة الحياة، حيث يحمل الجميع نفس اللقب. أهلها تجار وحرفيون وفلاحون. بعض أهلها سلفيون وبعضهم غير سلفي. يقول أهل البلدة عن الشاب المنتحر إنه كان متقلبا، يشرب الخمر في يوم ثم يذهب إلى المسجد للصلاة في اليوم التالي.

يقول سامي أخو الشاب المنتحر "السلفيون هنا معتدلون. حتى لو علموا أنك تشرب الخمر يدعونك وشأنك". ويصف أخاه المنتحر بأنه "كان يحب البحر وكنا نقود السيارة إلى الشواطئ قرب العاصمة لنسبح هناك".

كان محمد علي الرياحي (الشاب المنتحر) يقود سيارته العام الماضي في ضواحي بلدته قبلاط، وتعرض لحادث مروري أسفر عن كسر ذراعه ورقوده في المستشفى لمدة. ورغم أن عائلة محمد علي تؤكد أن الكسر في ذراع محمد علي كان الإصابة الوحيدة التي نتجت عن الحادث، فإن أهل البلدة يؤكدون أن الحادث أصاب الشاب بلوثة في دماغه.

وقبل الانتحار اغتسل محمد علي وارتدى ثيابا جديدة. وقف أمام والده وقال له "سامحني". ورد الأب مستفسرا "على ماذا؟" فجاءه الرد من ابنه "أنا فقط بحاجة لأن أقول لك سامحني" وغادر الشاب المنزل ولم يعد إليه ثانية. واكتشفت جثته متدلية من منارة مسجد البلدة بعد ذلك.

وصفت الصحيفة الخطبة التي ألقاها أيمن الرياحي في الجنازة بأنها "قد تكون الأصعب في حياته" قال فيها إن الانتحار يجلب اللعنة، ولكنه قال هذا الكلام الذي يمليه عليه دينه وفي نفسه لوعة على فقد الشاب.

عائلة محمد علي ترفض فكرة الانتحار وتؤكد أن ابنها ما كان ليقتل نفسه، إلا أن أفراد العائلة لم يقدموا أي تفسير لتدلي جثة ابنهم من منارة المسجد. وما زالت الشرطة تحقق في الأمر.

بعض أهل البلدة تجمعوا بجوار المسجد وأخذوا يتصايحون ويقولون إن محمد علي لم يكن ليقتل نفسه لو كان هناك دولة حقيقية. وصاح فلاح في منتصف العمر "هذا صحيح، (نريد) دولة الخلافة" وردد المجتمعون صيحات التأييد.

وفي محل حلاقة مجاور كان هناك رأي آخر لفضل الرياحي "لا أعتقد أن الدولة الإسلامية ستساعد في شيء. إنها لا تتوافق مع الديمقراطية. ولكن ليس لي مشكلة مع السلفيين. الجميع هنا عائلة واحدة، وموت محمد علي أحزننا جميعا".

بعد صلاة الجنازة جاء الإمام أيمن الرياحي إلى القهوة المجاورة وقال "إنه أمر محزن جدا، بالنسبة لي وبالنسبة للمصلين. ليس هناك فرحة بالموت".

المصدر : كريستيان ساينس مونيتور