التقشف يثير البغضاء بين دول أوروبا
آخر تحديث: 2012/7/4 الساعة 14:54 (مكة المكرمة) الموافق 1433/8/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/7/4 الساعة 14:54 (مكة المكرمة) الموافق 1433/8/15 هـ

التقشف يثير البغضاء بين دول أوروبا

أزمة اليونان الحادة نتج عنها خلاف مع بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي حول سبل الخروج منها (الجزيرة)

قال الكاتب أمارتيا سين في مقال له بصحيفة ذي غارديان البريطانية إن سياسات التقشف تولّد مشاعر الجفاء بين الدول الأوروبية، وهو عكس الطموحات التي كانت تملأ رواد فكرة الاتحاد الأوروبي التي قامت على أساس جمع الدول الأوروبية على قلب رجل واحد.

ويقول الكاتب الذي يعمل أستاذا في جامعة هارفرد الأميركية إن فكرة الاتحاد الأوروبي تعود إلى القرن الخامس عشر، ولكن فظاعات الحروب العالمية التي شهدها القرن العشرون حفزت وسرّعت من وتيرة عمل الدول الأوروبية لإنجاز الاتحاد الذي طال انتظاره.

ولاستيضاح حالة الاحتقان التي كانت تعاني منها أوروبا نتيجة الحروب والحاجة إلى تجاوز تلك المرحلة، يستحضر الكاتب أبياتا للشاعر الإنجليزي دبليو إتش أودين نظمها عام 1939 إبان الحرب العالمية الثانية، قال فيها "في خضم كوابيس الظلام/ تنبح كلاب أوروبا بانتظام/ أمم أوروبا الحية في انتظار/ كل منها مع بغضائها بحالة انصهار".

ما يحدث اليوم في أوروبا نتيجة للسياسات الخاطئة، وعقاب على تسلسل الأولويات الخاطئ الذي قدّم الوحدة النقدية على الوحدة السياسية، وجزاء للاستبداد في وضع السياسات والخلط بين الإصلاح والتقشف

ويتابع الكاتب الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد بقوله إن من المهم أن نعترف لمن بدؤوا الاتحاد الأوروبي بأنهم أسسوه بناء على حملة تسعى لتأسيس صداقة ووحدة سياسية عابرة للحدود، يرافقها مزيد من حرية الحركة للأشخاص والبضائع. وأعطيت الوحدة المالية الأولوية القصوى، وجاءت في ما بعد الوحدة النقدية التي جسدت إلى حد ما تطلعات الوحدة الأوروبية.

ويرى أن الإجراءات التقشفية ضمن خطط "الإنقاذ" التي فرضت على الدول الأوروبية التي تعاني من مصاعب اقتصادية مثل اليونان، تطلبت تخفيضات ضخمة في الإنفاق الحكومي، الأمر الذي أثّر على كافة مناحي الحياة ونتج عنه عدم التزام كامل من الدول المتضررة اقتصاديا بتنفيذ مطالب الخطط التقشفية التي تطالب بها الدول المانحة. وهذا الأمر نتج عنه مشاعر استياء في أوساط قادة الدول الأوروبية التي قدمت دعما ماديا للدول الأضعف اقتصاديا.

كما يرى سين أن مشاعر الجفاء الذي نتج عن الأزمة بين ألمانيا واليونان ضمن خلافهما العميق حول خطط التقشف وتقديم المساعدات، هو ما عمل الرواد من أجل تفاديه واستئصاله إلى الأبد. اليوم وبناء على مكان عيش المرء في أوروبا، هناك مصطلحان ينمان عن المشاعر السلبية في أوروبا، وهما "اليونانيون الكسالى" و "الألمان المستبدون".

وبينما يشير الكاتب إلى أن خطر عودة أجواء عام 1939 غير موجود، فإنه من غير الملائم لأوروبا أن يكون في وسطها كلاب تعوي يملؤها التذمر وربما الكره.

ويرى أن العيب ليس في سياسية التقشف، بل في اختيار سياسة التقشف المناسبة. ولا يؤيد الكاتب سياسات التقشف التي تقوم على أساس خفض الإنفاق الحكومي بشكل حاد، الأمر الذي يؤثر سلبا على الخدمات العامة والرفاه الاجتماعي في الدول الأوروبية، التي قال عنها إنها أعطت في القرن العشرين مثالا تعلّم منه العالم كيف يبني دولا مزدهرة تتمتع برفاه اجتماعي عال وبنية تحتية ورعاية صحية على أعلى المستويات.

الأمر الآخر الذي يرى الكاتب أنه تسبب في شرخ في العلاقة بين الدول الأوروبية، هو ثبات سعر صرف اليورو في البلدان الأوروبية، الأمر الذي تسبب في فقدان قدرة الدول التي تأتي في المرتبة الثانية اقتصاديا من المنافسة في الأسواق الأوروبية.

ويحث الكاتب الدول الأوروبية على تغيير سياستها القائمة على تقرير السياسات الاقتصادية والمالية خلف الأبواب المغلقة، ويصف هذا التوجه بأنه غير ديمقراطي، وأن طرح السياسات للتداول وأخذ رأي الشعب تنتج عنه حلول عملية.

ويختم بالقول إن ما يحدث اليوم في أوروبا نتيجة للسياسات الخاطئة، وعقاب على تسلسل الأولويات الخاطئ الذي قدّم الوحدة النقدية على الوحدة السياسية، وجزاء للاستبداد في وضع السياسات والخلط بين الإصلاح والتقشف.. أوروبا بحاجة إلى رؤية واضحة ومحددة.

المصدر : غارديان

التعليقات