المجلس العسكري استخدم الانتخابات الرئاسية ليعمق سلطاته ويكرس استقلاله عن القيادة السياسية
 
قال الكاتب جوشوا ستاشر في صحيفة نيويورك تايمز إن صيحات جماهير ساحة التحرير في القاهرة، زلزلت أرجاء المكان بصيحات الفرح بفوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بانتخابات الرئاسة في مصر الأسبوع الماضي، ليصبح أول رئيس مدني للبلاد. وعالميا صدرت ردود فعل إيجابية من أطراف عديدة حيّت "انتقال" السلطة ووصفته بأنه انتصار للديمقراطية.

لكن الكاتب يرى أنه ليس هناك ما يوجب كل هذا الاحتفاء بفوز مرسي، فالمجلس العسكري الذي قاد مصر منذ سقوط الرئيس السابق حسني مبارك العام الماضي، هندَسَ المشهد وفقا لاحتياجاته، فاحترم رغبة الجماهير بشكل رمزي، لكنه من جهة أخرى استخدم الانتخابات الرئاسية ليعمق سلطاته ويكرس استقلاله السياسي أكثر فأكثر.

ووفقا لستاشر، فإن من يظن أن نظام مبارك انتهى فهو واهم، حيث يرى أن جنرالات مصر أبقوا على أعمدة النظام وقنوات عمله مثل ما هي دون تغيير، وما تم هو إعادة برمجة للنظام القديم، ولم تكن الانتخابات الأخيرة سوى أداة لضرب عصفورين بحجر واحد: تعميق سلطة العسكر والفوز بتصديق الجماهير على سلطتهم.

لقد استغل العسكر الاستعداد العالي للنخب السياسية المصرية للتكيف مع الأوضاع الجديدة، فشكلوا ائتلافا حاكما مستخدمين سلطة مركزية لتحييد القوى السياسية الجديدة وإحداث انقسام بين صفوف المتظاهرين. وكانت النتيجة أن عجزت أي قوة سياسية على مقاومة صعودهم كسلطة.

الرئيس الجديد سيفضل مداواة الاقتصاد الجريح وتأجيل المعركة مع العسكر (الأوروبية)

ويرى الكاتب أن أجهزة الدولة المصرية كانت تعمل أثناء تولي العسكر الحكم طبقا للمعايير القديمة، فذراعها الإعلامي هاجم المحتجين واتهمهم بإشاعة الفوضى وإخافة السياح الذين عزفوا عن القدوم إلى مصر، إضافة إلى اتهامهم بأنهم عملاء لقوى خارجية. أما مطالب العمال والنساء والأقباط فعوملت على أنها أمور لا تكتسب صفة الأولوية.

ومع مرور الوقت عادت أجهزة الدولة والقوى الأمنية إلى عملها وأسلوبها القديم شيئا فشيئا، بينما أرسل المجلس العسكري المصريين خلال سنة واحدة خمس مرات إلى صناديق الاقتراع، والهدف من ذلك كان استخدام العسكر لتلك الصناديق لعقد تحالفات مع الفائز لضمان استحواذهم وتحكمهم بأعمدة المسرح السياسي المصري.

ويعتقد الكاتب بأن الإخوان المسلمين كانوا يرغبون في الحصول على آخر مقعد شاغر من مقاعد المسرح السياسي المصري، وقد قبلوا التنافس عليه وشغله بشكل واضح، رغم معرفتهم بأنهم سيكونون في وضع هش وسيقاتلون في معركة غير متكافئة.

الأمر السلبي الآخر الذي يراه الكاتب هو أن الإخوان ممثلون برئيس للدولة، وسيكون من الصعب عليهم من الآن فصاعدا إقناع الآخرين بأنهم لا يزالون قوة معارضة تطمح إلى الأفضل، بل الأدهى من ذلك سيعتبر وجود أي من أعضائهم في ساحة التحرير على أنه مقاومة ضمنية للرئيس.

وإذا أخذنا حقيقة صعوبة التظاهر من قبل الإخوان ووضعناها إلى جانب اجتماع مرسي بوزير الداخلية المصري الحالي وتأكيده له بأنه لن يسعى إلى الانتقام من الوزارة التي طالما نكلت بالإخوان والمعارضة، فيمكن اعتبار أن الإخوان قد أصبحوا استثمارا استثمره المجلس العسكري في سلطة مركزية ليمنع إرادة التغيير ويزيلها من القاعدة الجماهيرية التي يشكل الإخوان جزءا لا يستهان به منها.

وبناء على التركيبة السياسية هذه، يرى الكاتب أن مرسي -ومن ورائه رفاقه- لن يقووا على الوقوف بوجه عصا العسكر على المدى القصير.

ومن غير المحتمل أن يتولى مرسي أي ملفات أمنية، ولا أحد يعلم إن كان المجلس الذي تم حله سيعود إلى الحياة مرة أخرى أم لا، كما لا أحد يعلم متى سينتخب مجلس جديد. أما الدستور، فقد وضع العسكر في الطريق إليه ألغاما يصعب تجاوزها. وهكذا فإن الإخوان بين فكي رحى الشارع والعسكر.

الحركة الاحتجاجية لن تستطيع إجبار العسكر على تسليم السلطة دون دعم الإخوان، والنتيجة: المحتجون لن يعودوا إلى منازلهم، ومن غير المحتمل أن الإخوان سيعملون معهم عن كثب. ويرجح الكاتب أن مرسي سيفضل البدء بالعمل على مداواة اقتصاد مصر الجريح وتأجيل المواجهة مع العسكر إلى وقت لاحق.

ويختم الكاتب بالقول إن العسكر وضعوا مرسي في وضع "كش ملك" قبل أدائه القسم، بينما برزوا هم على أنهم الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة، حيث يبدو أنهم سيمسكون بزمام السلطة في الفترة القادمة.

المصدر : نيويورك تايمز