كان بإمكان مرسي العمل بأميركا وجمع ثروة، لكنه آثر العودة إلى بلاده ليساهم في تطويرها (الفرنسية)
الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي ابن فلاح نشأ بدلتا النيل الخصبة في منطقة تغرس في أبنائها الحذر واحترام كبار السن وحب العمل والمثابرة.
 
هكذا بدأ بورزو داراغاهي تقريرا كتبه لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية من مدينة الزقازيق عن بعض ملامح شخصية الرئيس الجديد، وإمكانية نجاحه في تولي مسؤولية قيادة البلاد المثقلة بمهام سياسية واقتصادية كبيرة.
 
ومضى يقول إن القيم التي حملها مرسي منذ صغره ساعدته كثيرا على النجاح في حياته الدراسية والأسرية، وفي تقدمه داخل جماعة الإخوان المسلمين وصعوده الأخير إلى رئاسة مصر. "لكن نفس هذه القيم ربما تعوق قدرته على مواجهة التحديات الكثيرة في البلاد، وتلبية متطلبات ثورة أطاحت برئيس مصر السابق حسني مبارك العام الماضي".
 
وأشار إلى أن مرسي خاطب عشرات الآلاف المبتهجين في ميدان التحرير بالقاهرة عشية أدائه القسم، قائلا لهم إن "الوزراء، والحكومة، والقوات المسلحة والشرطة جميعهم يستمعون إليّ الآن عندما أقول: لا سلطة فوق هذه السلطة، لا سلطة تعلو سلطتكم.. أنتم الحكام، أنتم مصدر هذه السلطة".
 
ليس ثوريا نموذجيا
وقال الكاتب إن مرسي ليس ثوريا نموذجيا بالمستوى الذي يمكّنه من مواجهة المهام الزلزالية المتمثلة في إنعاش اقتصاد مصر المريض، ولا تحديث بنيتها التحتية وإصلاح بيرقراطيتها.
 
يواجه أستاذ الهندسة البالغ من العمر 60 عاما قوى سياسية قوية، بما فيها القوات المسلحة وحرس قديم راسخ القدمين وحريص على إفشاله. فقبل إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية، حل المجلس العسكري البرلمان وأصدر إعلانا دستوريا يقلص صلاحياته.. ربما تعمل الروح المحافظة المغروسة في مرسي على كبحه من اتخاذ خطوات جريئة ضرورية لإحداث التغيير الذي وعدت به الثورة العام الماضي.
 
يجدون فيه ما يحبونه
ونقل الكاتب عن البروفيسور بجامعة براون الأميركية ميلاني كاميت قوله "فيما يتصل بالصفات الاجتماعية المحافظة لدى مرسي، فإنها تجتذب الكثيرين من الشعب المصري الذين يجدون فيه ما يحبونه، لكن فيما يتصل بأسلوب الحكم فمن شأنها أن تكون سلاحا ذا حدين، فإذا فُهم -في لحظة ما- على أنه لا يدفع بالأمور بما يجب من القوة من أجل التغيير، فإن ذلك ربما يلحق به الضرر".
 
القيم التي حملها مرسي منذ صغره ساعدته كثيرا على النجاح في حياته الدراسية والأسرية، وفي تقدمه داخل جماعة الإخوان المسلمين، وصعوده الأخير إلى رئاسة مصر
ومع ذلك هناك بعض العناصر في سيرته الذاتية التي تشير إلى إمكانية أن يصبح قياديا يمكنه تلبية تطلعات من انتخبوه، ومن ذلك -ربما- خشيته من منافسه رجل النظام السابق القوي أحمد شفيق أكثر من حرصه على سمعته الشخصية".
 
يقول شحاتة جار مرسي وطالبه السابق بجامعة الزقازيق حيث كان يدرس الهندسة، "إنه يعلي من شأن الجدية فوق كل شيء آخر.. علّمنا قيمة العمل بجدية، والكفاح من أجل الشيء الذي نتطلع إلى تحقيقه".
 
نشأ مرسي في قرية عدوا بجوار جامعة الزقازيق. ولا تزال قريته منعزلة وفقيرة بعض الشيء، لكنها كانت أفقر وأكثر عزلة عندما كان طفلا. وكان والده يزرع القطن والأرز ويستأجر أشقاءه الأربعة للعمل في المزارع، لكنه تعرّف بسرعة على القدرات العقلية الكبيرة لدى ابنه الأكبر وشجعه على الاستمرار في دراسته.
 
يقول سعيد الشقيق الأصغر لمرسي خلال لقاء بمنزل أسرة الأخير المتواضع في القرية "كان والدنا شخصا بسيطا جدا، علّمنا احترام الآخرين والالتزام بالصلاة، لكن وفوق كل هذا كان والدنا يؤمن بأهمية التعليم".
 
نشأ مرسي وحُمّل باكرا مسؤوليات كبيرة ليكون قدوة لأشقائه الثلاثة وشقيقتيه.
 
متصلب وديمقراطي
وبينما يُنتقد مرسي داخل جماعة الإخوان على أنه متصلب، فإن أشقاءه وأصدقاءه يصفونه بأنه قوي في اعتقاداته مع مرونة عالية. يقول سعيد "إنه ديمقراطي في دواخله.. مع أسرته وأطفاله يسألهم دائما عن آرائهم قبل اتخاذ أي قرار كبير".
 
كان لجماعة الإخوان المسلمين وجود في عَدوا وجامعة الزقازيق، لكن مرسي لم يصبح عضوا إلا بعد أن ترشح لنيل شهادة الدكتوراه في كاليفورنيا.
 
وتخلى مرسي لاحقا عن البقاء في الغرب -مصدر الثراء- وعاد لمواصلة العمل السياسي عضوا متفانيا وقائدا للتنظيم فيما بعد، وهي خطوة كبيرة من شأنها أن يكون لها أثر عميق على حياته.
 
قدوة جذابة
يقول شحاتة عضو البرلمان عن حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين إن قرار مرسي العودة من الخارج والانغماس في العمل السياسي بمصر والذي منحه مقعدا في البرلمان خلال حكم حسني مبارك، إضافة إلى دخوله السجون، جعل منه قدوة جذابة لطلاب جامعة الزقازيق وللأعضاء داخل التنظيم.
 
وأضاف "كانت لديه الفرصة للعيش في الولايات المتحدة وجمع ثروة من المال، لكنه آثر العودة ليمتهن التدريس.. إنه لأمر غير عادي.. معظم الناس ربما كانوا ليختاروا البقاء في أميركا، لكنه أراد أن يساهم في تطوير بلاده والارتقاء بها".

المصدر : فايننشال تايمز