فيسك: ماذا حدث لكل هؤلاء الضباط الذين كانوا يديرون مؤسسات مبارك الخبيثة؟ لقد تمت تبرئتهم (الفرنسية-أرشيف)

قال الصحفي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط روبرت فيسك إن جيش الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي يصل قوامه إلى 300 ألف "بلطجي" ما زالوا على رأس عملهم رغم الانتخابات الرئاسية.

ويوضح في مقاله بصحيفة ذي إندبندنت أن الجيش المصري لعب لعبة "خبيثة" عندما أصر على مثول مبارك أمام المحكمة، في الوقت الذي يعيد فيه تنظيم أنصاره للحفاظ على الامتيازات.

ويشبه الكاتب ما يجري حاليا في مصر بما حدث مع الجنرال السابق محمد نجيب الذي بدأ أول ثورة مصرية بعد الحرب عن طريق الإطاحة بالملك فاروق قبل ستين عاما.

وفي الأثناء خاض نجيب وزملاؤه جدلا بشأن مصير الملك فاروق ما بين إعدامه أو نفيه، فألمح عبد الناصر إلى قتله، في حين طلب نجيب التصويت.

وفي الساعات الأولى، كتب ناصر ملاحظة لنجيب يقول فيها: إن حركة التحرير يجب أن تتخلص من فاروق بأسرع وقت ممكن حتى تتمكن من التعاطي مع ما هو أكثر أهمية، مثل تطهير البلاد من الفساد الذي خلفه فاروق، وتمهيد الطريق أمام حقبة جديدة يتمتع فيها الشعب بالكرامة والحقوق السيادية.

وقال لا يمكن إعدام فاروق دون محاكمة لأن العدالة هدفنا، ولا يمكن إبقاؤه في السجن لأنه سيشغلنا بما كان صوابا أو خطاء شاب قضيته، فالنفي هو الأفضل لأن التاريخ نفسه سيحكم عليه بالموت.

ويرى فيسك أن عبد الناصر كان مصيبا في نفي الرجل السابق عوضا عن إقامة محاكمة تستهلك الوقت وتشتت الأذهان، في حين أن مستقبل مصر "وأهداف الثورة الأخرى" هي التي ينبغي أن تبقى محل النقاش.

ولكن الجيش اليوم -يقول الكاتب- لعب لعبة لا تختلف في خبثها عن لعبة عبد الناصر، ولكن بطريقة مختلفة، فقد أصر على مثول مبارك أمام المحكمة، في حين أنه يعيد تنظيم مؤيديه للحفاظ على الامتيازات.

ماذا حدث لكل هؤلاء الضباط الذين كانوا يديرون مؤسسات مبارك الخبيثة؟ لقد تم تبرئتهم، وهو ما يعني أن جيش مبارك القوي من بلطجية الأجهزة الأمنية ما زالوا يعملون

قتل مستمر
وينقل عن الرئيس المنتخب السابق لنادي القضاة زكريا عبد العزيز قوله "حتى لو أن مبارك مثل أمام المحكمة، فإن عمليات القتل التي تمت في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شبابط 2011، استمرت لأيام، ولكن الجيش لم يصدر أي أمر بوقفها".

ويضيف أن وزارة الداخلية ليست المكان الوحيد الذي ينبغي تطهيره، فالنظام القضائي أيضا يحتاج إلى ذلك.

ويشير فيسك إلى أن قضاة مبارك هم الذين سمحوا لأحمد شفيق -آخر رئيس وزراء في عهده- لبلوغ جولة الحسم في الانتخابات الرئاسية.

وقد أشار عمر عاشور -الأكاديمي في اكسيتر والدوحة- إلى أنه عندما اجتاح المحتجون مقار تحقيقات أمن الدولة ومحافظات أخرى في مارس/آذار 2011، وجدوا أن غرف التعذيب وأدواته منتشرة في كل مبنى.

ويتساءل فيسك: ماذا حدث لكل هؤلاء الضباط الذين كانوا يديرون مؤسسات مبارك الخبيثة؟ لقد تمت تبرئتهم، وهو ما يعني أن جيش مبارك القوي من بلطجية الأجهزة الأمنية ما زالوا يعملون.

وهنا يتمم الصورة فيقول: إذا كان مبارك يمثل فاروق، ونجلاه جمال وعلاء يمثلان قادة المستقبل للعائلة الملكية، فإن ثورة مصر 2011 تمثل أحداث 1952، ولكن بدون نفي الملك، وبقاء ظل النظام الملكي في السلطة.

ويرى أن الاعتقاد السائد في أوساط الصحفيين والأكاديميين بأن ميدان التحرير سيمتلئ مجددا -كما حدث العام الماضي- غير واقعي، مشيرا إلى أن المصريين أبدوا رغبة في التصويت بدلا من التظاهر حتى لو أن الأجهزة الأمنية هي التي ستقود البلاد مجددا.

وقال إذا كانت هذه هي الديمقراطية، فإن الأمور ستؤول إلى النموذج الجزائري أكثر منه إلى النموذج التونسي.

ويختم بكلمات قالها فاروق لنجيب أثناء وداعه: مهمتك ستكون صعبة، فليس من السهل -كما تعلم- أن تحكم مصر.

وقال فيسك عبد الناصر أطاح بنجيب وفُتحت السجون ونُصب القائمون على التعذيب، ثم أتى الجنرال أنور السادات وتلاه الجنرال مبارك، والآن..؟

المصدر : إندبندنت