هولاند ثاني اشتراكي ينتخب رئيسا في ظل الجمهورية الخامسة (الأوروبية)

كرست الصحف الفرنسية حيزا واسعا لانتخاب الاشتراكي فرانسوا هولاند رئيسا، بعد أن هزم أمس نيكولا ساركوزي بفارق ثلاث نقاط، ليكون ثاني اشتراكي يدخل قصر الإليزيه في تاريخ الجمهورية الخامسة.

ونقلت لوموند عن عدد من مستشاري الرئيس المنتهية ولايته قولهم إن ساركوزي أكد لهم أنه سيترك العمل السياسي بعد الهزيمة، لأن مرحلة جديدة بدأت في حياته. وقال أحدهم إن ساركوزي لن يقود حزبه الاتحاد من أجل حركة شعبية خلال تشريعيات يونيو/حزيران المقبل.

ووصفت الصحيفة -المحسوبة على يسار الوسط- فرحة الاشتراكيين بفوز هولاند الذي هو "فوز لفرنسا" حسب تعبير الأمينة العامة للحزب الاشتراكي مارتين أوبري، وفوز تحقق بفضل حملة "عقلانية" كما قالت سيغولين روايال.

وقال بيير موسكوفيتشي مدير حملة هولاند للصحيفة إن الفرنسيين "لم يرغبوا في انتخاب رئيس عاجز"، لكنه أكد حاجة هولاند لأغلبية برلمانية في تشريعيات يونيو/حزيران.
 
لوفيغارو تقول إنه لا أحد في الحزب الاشتراكي كان يتوقع وصول هولاند إلى الرئاسة (الفرنسية)
الرجل "العادي"
أما لوفيغارو اليمينية المقربة من حزب الرئيس المنتهية ولايته فنقلت عن ساركوزي تأكيده أنه سيستمر في الوفاء بالتزاماته، لكن ليس في الموقع "نفسه".

وتحدثت الصحيفة عن هزيمة تحملها ساركوزي بـ"عزة نفس"، ونقلت عن آلان مينك المقرب منه قوله إن مارين لوبان جعلت مئات الآلاف من أنصارها يصوتون ضد الرئيس المنتهية ولايته بغرض هزيمته.

وفي مقال مطول عن "الرجل العادي الذي أصبح رئيسا"، كتبت لوفيغارو كيف أن لا أحد في الحزب الاشتراكي توقع يوما أن يرى هولاند في هذا المنصب باستثناء المرشح نفسه.

وكتبت كيف أن فرانسوا ميتران لم يهتم لأمر هولاند عندما كان مستشارا في الإليزيه، لكن هذا الأخير وجد الرعاية عند ليونيل جوسبان لما تولى قيادة الحزب الاشتراكي، فعينه ناطقا باسم الاشتراكيين، ليبدأ هولاند رحلة سياسية توقفت عندما ترك جوسبان السياسة وأخذ الحزبُ الاشتراكي يتشتت.

وحتى عندما كان الحزب الاشتراكي في 2011 يهيئ نفسه العام الماضي لاختيار دومينيك ستراوس كانْ لمقعد الترشيح الرئاسي، كان هولاند يهيئ نفسه لصعود محتمل، وبدأ يقدم نفسه في صورة الرجل القادر على أن يكون رئيسا؛ شخص مستقل ليس ظلا لأحد.

وعندما حدثت المفاجأة وخرج ستراوس كانْ من السباق، دُفع بهولاند إلى الواجهة، ليجد المرشحُ الذي أعد نفسه مطولا لهذا اليوم -وتلك مفارقة- في صورة الشخص الذي لم يتوقعه رفاقه.

صحيفة لي زيكو تساءلت عما إذا كان ساركوزي حكم على نفسه بالهزيمة (الفرنسية)

لمَ خسر ساركوزي؟
وفي تحليل بعنوان "لمَ خسر ساركوزي الانتخابات الرئاسية؟" كتبت صحيفة لي زيكو كيف أن الرئيس المنتهية ولايته لم يقدم خلال حملته الانتخابية إلا سببا واحدا لهزيمة محتملة هو الأزمة. وتساءلت إن كان ساركوزي محكوما عليه منذ البداية بالهزيمة أم أنه رجل حكم على نفسه بالخسارة خلال الحملة الانتخابية؟

وأضافت أن الأزمة منعت فعلا الرئيس المنتهية ولايته من تجسيد التزاماته في 2007، رغم أنها كان يمكن أن تخدمه بالنظر إلى طريقة تعامله مع انهيار مصرف ليمن براذرز في 2008. لكن طريقة تعامله مع انهيار المصرف كان شيئا مجردا يصعب تسويقه بحيث يفهمه الناس، كما قال هنري غوايانو مستشار ساركوزي قبل أيام.

وتساءلت الصحيفة إن كان ساركوزي دفع ضريبة العام الأول من ولايته وضريبة أسلوب العيش الذي اتبعه، وقالت إن هولاند لم يدشن حملته في 2011 بعنوان رئاسة "عادية" إلا عندما أدرك حجم "الرفض" الذي سيواجَه به غريمه.

وحينها فقط -تواصل لي زيكو- بدأ مستشارو الرئيس المنتهية ولايته يفهمون، وأخذ ساركوزي يقدم اعتذاراته عن أخطاء كثيرة (كدفْع ابنه لرئاسة حي الأعمال)، فشرع يقدم نفسه في صورة مرشح "القطيعة" و"مرشح الشعب" ضد النخب، وجعل الاستفتاءات الشعبية -التي طالما ارتاب فيها- سلاحا، وأخذ يتحدث عن العولمة الاقتصادية والهجرة، وباتت كلمة "الحدود" لازمة في خطاباته.

وفعلا استقطب الجماهير كما تقول لي زيكو، لكنه واجه مشاكل، فكيف يعبئ حزبه بينما تُقرأ إستراتيجيته على أنها ركض وراء أصوات الجبهة الوطنية؟

رفض ساركوزي أي تحالف مع الجبهة الوطنية، وتجاوز خطوطا حمرا من حيث الدلالات، وأخذ يركز خطاباته على الهجرة وعلى مواضيع أثيرة على حزب أقصى اليمين، وقد أقلق ذلك أنصاره، وأخذ أنصار التيار الديغولي والديمقراطيون المسيحيون ييأسون من "حملةٍ تدمر التحصينات الأيديولوجية التي قضينا عشرين عاما في بنائها".

فوز هولاند على ساركوزي لم يكن كاسحا, ومن هذا المنطلق يمكن أن يوصف بالهش،
وفي هذا الباب أيضا يمكن التساؤل عما إذا كان انتصار هولاند دليل ثقة في مرشح الحزب الاشتراكي أم هو رفض للرئيس المنتهية ولايته ولشخصه ولأسلوبه

فوز هش
ورغم أن عشرات ملايين الفرنسيين رأوا أمس الأحد أن الأمل بات في متناول اليد مع دخول اشتراكيٍ إلى الإليزيه أخيرا بعد 17 عاما من حكم اليمين وخمس سنوات من "الحكم الساركوزي المدمر"، فإن موقع "ميديابار" يرى أن 2012 لا يشبه 1981، وأن فوز هولاند هش يحيط به كثير من اللبس.

وأول أوجه اللبس -كما يرى الموقع- هامش الفوز، فالانتصار كان "نظيفا" لكنه ليس كاسحا. أما من يذكّرون بأن فرانسوا ميتران فاز بهامش مماثل ضد فاليري جيسكار ديستان، فعليهم العودة إلى العام الماضي فقط ليروا شدة العقاب الذي تم إنزاله بغوردون براون وخوسيه لويس ثاباتيرو.

وهكذا فإن ساركوزي هُزم لكنه لم يُكسر كما يرى الموقع، ويمكنه أن يعزو هزيمته إلى الأزمات الأوروبية والعقاب الجماعي الذي يلاحق الحكومات الأوروبية الآن. أما هزيمة ما تمثله الساركوزية تحديدا فأمر ما زال محل شك.

والسؤال الثاني الذي يبقى دون جواب واضح هو: من الخاسر؟ هل هو رئيسٌ منتهيةٌ ولايته حكم على طريقة اليمين الكلاسيكي، أم أن الخاسر مرشح تبنى طروحات الجبهة الوطنية التي لم تكن بالتأكيد هي المهزومة في انتخابات الأحد؟

وهكذا يجد هولاند -كما يقول موقع ميديابار- نفسه يظفر باقتراع في ظرف خاص جدا؛ فالجبهة الوطنية فازت بـ18% من الأصوات في الدور الأول، والحملة الانتخابية في الدور الثاني تركزت تماما على مواضيع معاداة الأجانب.

ويتساءل الموقع إن كانت فرنسا تفوح اليوم برائحة "اليسار المتطرف المقيتة"، كما يتساءل إن كان التصويت لهولاند علامة ثقة أم عقابا لساركوزي؟ ويجيب بأن النتيجة لم تكن التفافا مكثفا من حول برنامج المرشح الاشتراكي وشخصه، بل رفض للرئيس المنتهية ولايته ولشخصه وأسلوبه.

وحتى بهذه المقاييس فإن ساركوزي استطاع بعد حملة عنيفة تصحيح الصورة المقيتة التي التصقت به. ويطرح الموقع السؤال الرابع: هل اختارت فرنسا الرافضة لساركوزي الميل يسارا؟ والجواب لم يُعرَف تماما.

على الرئيس الجديد، حتى ينتشر الأمل، أن يحل كثيرا من المعادلات ويتبنى خيارات واضحة وفقا لميديابار، فماذا يفعل مثلا بفرانسوا بايرو (الذي صوت له شخصيا) وبجزء من الناخبين الوسطيين؟ وماذا عن مطالب جبهة اليسار؟

جاء وقت الأجوبة التي طالما تجنب هولاند تقديمها عند إثارة المسائل المتعلقة بالتحالفات، كما يقول الموقع الذي يختتم قائلا "في ديناميكية الانتصار يبدأ كل شيء، لكنه انتصار يجعل كل الهزائم ممكنة".

المصدر : الصحافة الفرنسية