نهاية عصر التدخل الأميركي
آخر تحديث: 2012/2/19 الساعة 22:15 (مكة المكرمة) الموافق 1433/3/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/2/19 الساعة 22:15 (مكة المكرمة) الموافق 1433/3/27 هـ

نهاية عصر التدخل الأميركي

جانب من لقاء أوباما وتشي جينبينغ نائب الرئيس الصيني بالبيت الأبيض مؤخرا (الفرنسية)
ظل العالم طوال العقدين الماضيين يعيش على قعقعات الحرب الصاخبة، ويستغرق في بحث كيفية شنها.

وتراجعت المناوشات الحادة في تسعينيات القرن الماضي بحجة التدخل الإنساني لتحل محلها معارك ضارية لتغيير الأنظمة وإرساء الديمقراطية عقب أحداث الـ11 من سبتمبر، ثم مداولات وجدل بشأن "إستراتيجية مكافحة الإرهاب" وهي ساحة معركة جديدة تخوضها الولايات المتحدة لكسب القلوب والعقول.

وقد بدا الجدل بشأن السياسة الخارجية الأميركية في أحيان كثيرة أشبه بصراع ديكة أيديولوجي، وفق وصف جيمس تروب -الكاتب والباحث بمركز التعاون الدولي الأميركي، في مقال نشرته له صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان "انتهاء التدخل الأميركي".

ولعل عصر التدخل الأميركي قد وصل نهايته. وللدلالة على ذلك، يرى تروب أن على المرء ألا ينظر إلى أبعد من "المرشد الإستراتيجي" وهي وثيقة أصدرتها وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) الشهر الماضي بعد وعد قطعه الرئيس باراك أوباما بخفض 485 مليار دولار من موازنة الدفاع خلال الأعوام العشرة القادمة.

والوثيقة عبارة عن تكرار للعديد من المقاصد الجوهرية لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة القائمة على "هزيمة تنظيم القاعدة، وردع المعتدين التقليديين، والتصدي للتهديد الذي تمثله الأسلحة غير التقليدية".

العصر الذي دلفناه للتو يتميز بأنه ليس مفعما بالتصورات الأيديولوجية بدرجة كبيرة. فالقضايا التي تثيرها طموحات الصين المتعاظمة مختلفة تماما عن تلك التي نشأت بعد 11/9
وورد بالوثيقة كذلك "إنه في أعقاب حربي العراق وأفغانستان، فإن الولايات المتحدة تؤكد أهمية الوسائل غير العسكرية والتعاون العسكري في التصدي لحالات عدم الاستقرار والتقليل من الحاجة للاستعانة بقوات أميركية كبيرة في عمليات لتحقيق الاستقرار".

وتمضي الوثيقة إلى الإشارة إلى أنه "لن يتم بعد اليوم تحديد حجم القوات الأميركية المطلوبة للقيام بعمليات كبيرة ومطولة لتحقيق الاستقرار".

وقد بدت حربا العراق وأفغانستان السنوات القليلة الماضية أشبه بواجهة للصراعات الحديثة، غير أنهما لم تعودا كذلك الآن، فالأميركيون لا يؤمنون بجدواهما ومن ثم فإنهم لا يطيقونهما.

ويشير مؤلفو "المرشد الإستراتيجي" من المخططين إلى ملاحظة جديدة كل الجدة، وهي "إننا بالضرورة سنعيد التوازن نحو منطقة آسيا الباسفيك" بينما ستظل القوات الأميركية محتفظة بوجود كبير في الشرق الأوسط.

ويقول تروب إن تلك العبارة مرادفة للقول "إننا سنتصدى للصين" التي حلت محل القاعدة باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي في المستقبل للأمن القومي الأميركي وفق ما توصلت إليه إدارة أوباما من استنتاج.

ومع ذلك فإن ذلك لا يعني أن ثمة منطقة بعينها نالت الأسبقية على غيرها من المناطق في اهتمامات الولايات المتحدة، بل إن التهديد التقليدي من الدولة التوسعية حل محل الخطر القادم من أطراف غير دولية والذي برز عقب هجمات 11/9.
 
ليس من قبيل الخوض في الغيبيات القول إن علاقة أميركا بالصين الشديدة التعقيد صراع مصالح أكثر منه صراع رؤى عالمية
وبطبيعة الحال فإن مشاكل عالمية من قبيل تغير المناخ، والأمراض الوبائية، والانتشار النووي والإرهاب لم تختف. لكن في مسائل الحرب والسلام، يبدو أننا نعود إلى عالم نألفه أكثر حيث تناور القوى العظمى من أجل مصالحها.

إن العصر الذي دلفناه للتو يتميز بأنه ليس مفعما بالتصورات الأيديولوجية بدرجة كبيرة. فالقضايا التي تثيرها طموحات الصين المتعاظمة مختلفة تماما عن تلك التي نشأت بعد 11/9. كما أن الصين قوة ناشئة، وما إن ترسخ أقدامها حتى تسعى كدأب القوى الناشئة عادة إلى التوسع على حساب جيرانها.

ولطالما ظل المحافظون يقرعون طوال عدة سنوات نواقيس الخطر من طموحات الصين العسكرية، فما كان من إدارة أوباما إلا أن شرعت الآن في بناء "محور" مع آسيا.

ومهما يكن من أمر سياسة إدارة أوباما أو تلك التي ستنتهجها خلفها من بعدها إزاء الصين، فإن منطقة شرق آسيا الأوسع زاخرة بدول مستقرة وديمقراطية على النقيض من الشرق الأوسط.

ومن ثم فإن الولايات المتحدة ليست مضطرة للدفاع عن الحرية والعدالة هناك. وعليه فإن قضايا مثل تغيير الأنظمة وإرساء الديمقراطية وبناء الدولة ليست مدرجة في طاولة البحث، وكذلك الحرب.

إن أميركا ليست على وشك خوض حرب مع الصين أو أي جهة أخرى في آسيا. وسيُترك أمر معادلة الطموح الصيني للبحرية والقوة الجوية وحلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة.

وليس من قبيل الخوض في الغيبيات القول إن علاقة أميركا بالصين الشديدة التعقيد صراع مصالح أكثر منه صراع رؤى عالمية.

 

المصدر : نيويورك تايمز

التعليقات