تشومسكي: أميركا لم تعد قادرة على فرض إرادتها على العالم (رويترز-أرشيف)

يعتقد المفكر الشهير نعوم تشومسكي أن النفوذ الأميركي في العالم بات يتلاشى، وقال في الجزء الثاني من مقاله بصحيفة ذي غارديان إن حق أميركا المفترض بفرض إرادتها على العالم لم يتغير، ولكن قدرتها على ذلك تغيرت.

ويبدأ تشومسكي -وهو عالم لغويات- بالحديث عن نجاح أميركا الجنوبية في العقد الماضي للمرة الأولى منذ 500 عام في الانفصال عن الهيمنة الغربية، وهو ما يعتبره تشومسكي خسارة أميركية.

ويقول إضافة إلى ما حققته دول تلك المنطقة من اتحاد، تخلصت من قواعد الجيش الأميركي وهيمنة صندوق النقد الدولي.

والخسارة الثانية التي لحقت بالهيمنة الأميركية في العالم تمثلت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي كانت تعد من قبل المخططين منذ أربعينيات القرن الماضي، مصدرا هائلا للطاقة الإستراتيجية، ومن أعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم.

وقال تشومسكي إذا ما صحت التوقعات بأن أميركا ستحقق استقلالا في الطاقة بالاعتماد على مصادر الطاقة في أميركا الشمالية، فإن أهمية السيطرة على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستتراجع نوعا ما.

ويتابع أن الربيع العربي -الذي يعد تطورا آخر ذا أهمية تاريخية- ينذر على الأقل "بخسارة" جزئية أميركية في المنطقة، ولا سيما أن الولايات المتحدة وحلفاءها حاولوا جاهدين منع حدوثه، مشيرا إلى أن سياستهم نحو الانتفاضات العربية انطوت على دعم القوى الأكثر قابلية للهيمنة الأميركية.

وكانت سياسة الدول العظمى تمثلت في دعم الحكام المستبدين طالما أنهم يستطيعون فرض سيطرتهم على بلادهم، ولكن ما إن يصبح ذلك مستحيلا، تتخلص منهم وتحاول أن تستعيد النظام القديم، كما حصل في تونس ومصر، حسب تعبير تشومسكي.

وقال إن النماذج العامة على ذلك اتضحت في رئيس الفلبين الأسبق فريديناند ماركوس وحاكم هايتي الأسبق فرانسوا دوفالييه ورئيس إندونيسيا الأسبق سوهارتو الذي حكم بلاده 32 عاما.

واتخذ من الحالة الليبية مثالا أيضا ليقول إن القوى الإمبريالية الثلاث الرئيسية تدخلت بالقوة للمشاركة في الإطاحة بدكتاتور لم يعد يُعتمد عليه، الأمر الذي فتح المجال أمام هيمنة أكثر فاعلية على موارد النفط الليبية وحتى المائية (بالنسبة لفرنسا على وجه الخصوص)، وإقامة قاعدة محتملة للقيادة الأميركية في أفريقيا، وللحد من التغلغل الصيني المتنامي في المنطقة.

فلسطين وإسرائيل
يقول تشومسكي إن الخوف من الديمقراطية كان أكثر وضوحا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مشيرا إلى أن انتخابات يناير/كانون الثاني عام 2006 التي وصفت بأنها نزيهة، قوبلت بعقوبات أميركية.

ويقتبس مما قاله المحلل توماس كاروثرز بأن أميركا تدعم الديمقراطية إذا ما كانت النتائج تتفق مع أهدافها الإستراتيجية والاقتصادية.

ويضيف أن أميركا تقود على مدى 35 عاما معسكر المعارضة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فتمنع التوصل إلى إجماع دولي يدعو إلى تسوية سياسية.

ويشير إلى أن الشعار الغربي يقول إن إسرائيل تريد مفاوضات دون شروط مسبقة، وإن الفلسطينيين هم الذين يرفضون، في حين أن العكس هو الصحيح، كما يقول تشومسكي.

النظام الإيراني يشكل دون أدنى شك تهديدا حقيقيا لشعبه، ولكن التهديد الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل يتمثل في أن إيران قد تصبح رادعة لممارستهما العنف

الملف الإيراني
وفي القضية الثالثة، يشير تشومسكي إلى أن الملف النووي الإيراني يعتبر في نظر النخب السياسية على أنه تهديد للنظام العالمي، وهو ما لا يراه المواطنون.

ففي أوروبا تشير استطلاعات الرأي إلى أن إسرائيل تعتبر التهديد الرئيس للسلام، وفي بلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشترك أميركا مع إسرائيل في التهديد إلى درجة أن 80% من المصريين يشعرون بأن المنطقة ستكون أكثر أمنا بوجود إيران نووية.

وهنا يتساءل الكاتب: لماذا تعتبر إيران على هذا النحو من التهديد؟ ليقول إن الجواب الأجدر بالثقة ذلك الذي جاء في تقرير وزارة الدفاع الأميركية وأجهزة المخابرات التي قالت أمام الكونغرس إن إيران لا تشكل تهديدا عسكريا.

ويقول التقرير إن إيران لا تملك القدرة على نشر قوات، كما أن عقيدتها الإستراتيجية دفاعية تهدف إلى ردع أي غزو لفترة تكفي لتبدأ الدبلوماسية.

ويشير تشومسكي إلى أن النظام الإيراني يشكل دون أدنى شك تهديدا حقيقيا لشعبه، ولكن التهديد الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل يتمثل في أن إيران قد تصبح رادعة لممارستهما العنف.

أما التهديد الآخر الذي تشكله طهران -والكلام للكاتب- فهو سعي الإيرانيين إلى توسيع نطاق نفوذها إلى دول الجوار مثل العراق وأفغانستان.

ويخلص إلى أن منع إيران من الالتحاق بنادي الدول النووية ربما يتحقق من خلال إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل.

ويختم بأن القدرة على تنفيذ مبادئ الهيمنة الإمبريالية التي شهدت تغيرا ضئيلا، قد تراجعت في ظل توزيعها بعالم متنوع.

المصدر : غارديان