مطالبات الشعب والنخب السياسية المصرية لم تتغير على مدى ستة عقود (الفرنسية)

وصف الكاتب ستيفن كوك العاصمة المصرية القاهرة بأنها "متوترة ويسودها الاستقطاب (السياسي)". وقال كوك في المقال الذي نشر في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، إن المجلس العسكري الحاكم في مصر يتلمس طريقه لإيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية التي تضرب مصر منذ سقوط حكومة الرئيس السابق حسني مبارك.

ورغم وجود اختلافات عميقة بين الكتل السياسية المصرية المعارضة للمجلس العسكري الحاكم من الناحية الفكرية والسياسية، إلا أنها موحدة في معارضتها. أما الإخوان المسلمون فيحاولون النأي بأنفسهم عن التأزم بين المجلس والمعارضة، وفي خضم كل ذلك يبقى الوضع المصري مضطربا ويفتقر إلى الاستقرار رغم إنجاز الانتخابات البرلمانية والأمل بانتخابات رئاسية قريبة ودستور جديد.

ويرى الكاتب الذي ألف كتاب "الكفاح من أجل مصر: من ناصر إلى ميدان التحرير"، أن الوصف أعلاه هو وصف لحالة مصر في مطلع عام 2012، ولكن في الحقيقة هذا الوصف نفسه يمكن أن يسقط على عام 1954 عندما تمكن جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار من القبض على السلطة في مصر.

ويكمل الكاتب، في الواقع لو أغمض الثوار المصريون الذين يجابهون قوات الشرطة والأمن المصري منذ شهور أعينهم ونسوا أمر قناة الجزيرة وتويتر وفيسبوك وشطحوا بخيالهم، فقد يجدون أنفسهم وسط جموع الطلبة الذين اصطدموا في مطلع فبراير/شباط 1954 على جسر قصر النيل وسط القاهرة بقوات الشرطة، بينما كانوا في طريقهم إلى القصر الرئاسي لمطالبة عبد الناصر بتسليم السلطة لحكومة مدنية.

المصريون شاركوا بكثافة في الانتخابات التشريعية فقطعوا الطريق على ولادة حكومة شمولية جديدة (الفرنسية)
ويعتقد الكاتب أن تاريخ مصر ليس هو الطريق لمستقبلها، ويعطي مثالا آخر على أن التاريخ يعيد نفسه في مصر، ويقول إن اللاعبين على الساحة عام 1954 هم اللاعبون أنفسهم اليوم: العسكر، الإخوان المسلمين والطلبة والنشطاء السياسيون، وحتى عدم امتلاك الضباط الأحرار لخطة للمرحلة التي تلت إسقاط الملكية في مصر ينطبق اليوم على المجلس العسكري الحالي الذي لا يمتلك رؤية واضحة للمرحلة القادمة.

ورغم الاختلاف في مستوى نشاط القوى اليسارية بين عامي 1954 واليوم، إلا أنه يمكن القول بأن ديناميكيات المشهد السياسي المصري لم تتغير إلا في نطاق غاية في الضيق.

وعلى مدى العقود الستة الماضية لم تتغير مطالب المحتجين والنشطاء المتمثلة بالعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية والحكومة المنتخبة.

ويرى الكاتب أن النشطاء المصريين لديهم خشية مبررة من نوايا كلٍّ من العسكر والإخوان، ويصف الكاتب الإخوان بأن قيمهم الديمقراطية ليست ببعيدة عن النقد. ويستدرك بالقول إن الشعب المصري -ومن خلال مشاركته بكثافة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة- قد قطع الطريق على العسكر ومنعهم من إعادة تشكيل سلطة شمولية.

ويصف الكاتب أهداف المجلس العسكري الحاكم في مصر بأنها "متضاربة"، فقد كان يريد مشاركة شعبية واسعة لإسباغ الشرعية على سيطرته على مقاليد الأمور في الفترة الانتقالية، ولكن في الوقت نفسه كان يريد ولادة برلمان ضعيف تسهل السيطرة عليه.

ويعتقد الكاتب أن الطاولة قد انقلبت على العسكر بشكل أو بآخر، فبينما كانوا دائما يسعون إلى مساندة الشعب وخاصة ما يسمى بـ"الأغلبية الصامتة"، يوجد اليوم برلمان يريد نفس المساندة الشعبية ولكنه يمتلك إثباتا ماديا على امتلاك تلك المساندة، ألا وهو أصوات الناخبين.

ويصف الكاتب مسألة لجم صلاحيات السلطة التنفيذية في مصر بأنه تحد لا يمكن تحقيقه دون تقاليد وأسس ديمقراطية قوية.

ويختم الكاتب مقاله بسرد تاريخي للولادات العسيرة لدستوري عامي 1954 و1971 وكيف قلّمت أظافر الدستورين من حيث الحريات والقيم الليبرالية، كما يشير إلى تجاهل الحكومات المصرية المتعاقبة لدور البرلمان الرقابي، ويرى أن المصريين في حالة نجاحهم في ترسيخ برلمان قوي يمنع المجلس العسكري من رسم مصر ما بعد مبارك، وترسيخ تقاليد ديمقراطية وضمان تطبيق الدستور، فإنهم سيتلافون الوقوع في المطبات التي تملأ تاريخ دولتهم في العقود الستة الماضية.

المصدر : نيويورك تايمز