عرض عسكري لمجموعات كردية مسلحة في بلدة ديريك بمحافظة الحسكة (الفرنسية)

لا تقتصر تداعيات الحرب في سوريا على تفجير الوضع الداخلي في البلد فحسب، بل باتت تعيد تشكيل الجزء الأكبر من القضايا الجيوسياسية في المنطقة، ومن أبرزها القضية الكردية، حسب تحليل صادر عن المعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية التابع لوزارة الدفاع.

ووفق الخبير العسكري ماريو إغلسياس -الذي شارك في إعداد التحليل- فإنه كلما اشتدت ضراوة النزاع وازداد تدخل دول الجوار، يتضح أن نتيجة النزاع ستحدد جوانب مهمة من مستقبل الشرق الأوسط، بينها مستقبل الشعب الكردي.

ويمثل الأكراد في سوريا أكبر الأقليات العرقية وتقدر نسبتهم بـ7% إلى 10% يقطنون في مناطق زراعية على الحدود العراقية التركية حيث تم اكتشاف أهم حقول النفط والغاز السورية. ومنذ 1950 والحكومات تنتهج سياسة القمع ضد مطالبهم في الاستقلال. أبرزها إقدام النظام على مصادرة العديد من الأراضي في القامشلي بقصد "تعريبها".

ورغم وجود مقاتلين أكراد في صفوف الثوار فإن القوى السياسية الكردية ظلت حتى تاريخ قريب على هامش النزاع ولم تلتحق بالمجموعات المناهضة للأسد، كما لم تدخل المناطق الكردية بقوة في المواجهات المسلحة.

فعلى غرار أقليات أخرى، يتخوف الأكراد كثيرا من سيطرة الإسلاميين على أهم فصائل المعارضة، والذين -إذا ما استتب لهم زمام الأمور- قد لا يؤيدون تطلعات الأكراد.

وفي مايو/أيار 2011 منح الأسد الجنسية لمائة ألف كردي سوري. لكن الأهم هو أن النظام ترك السيطرة على المدن الرئيسية في الشمال الشرقي لصالح تشكيلات "لجان حماية الشعب"، التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي ذي التوجهات الكردية، وذلك بسبب افتقار النظام إلى الجنود في مدن إستراتيجية كحلب وحمص ودمشق.

الحرب في سوريا تغذي فعليا النزاع في تركيا. فخلال الأشهر الأخيرة ضاعف حزب العمال الكردستاني أنشطته على الأراضي التركية، وأجبر أنقره على الدفع بمزيد من القوات إلى حدودها الشرقية

مواقف الجوار
وأبرزت سيطرة حزب الوحدة الديمقراطي على تلك المناطق مخاوف أنقرة التي تعتقد أن الأسد تعمد التخلي عن هذه المناطق عقابا لها على دعم الثوار. ويتخوف أردوغان من التداعيات التي سيتركها استقلال فعلي لكردستان السورية على نزاع أنقرة مع حزب العمال الكردستاني أهم حركة انفصالية للأكراد في تركيا الذين يمثلون نسبة تقدر بما بين 20% و30%.

وعلى أرض الواقع فإن الحرب في سوريا تغذي فعليا النزاع في تركيا. فخلال الأشهر الأخيرة ضاعف حزب العمال الكردستاني، مستغلا الظروف التي وفرتها الحرب، أنشطته على الأراضي التركية مجبرا أنقرة على الدفع بمزيد من القوات إلى حدودها الشرقية.

وبين يونيو/حزيران 2011 وأغسطس/آب 2012 قتل 711 شخصا في المواجهات بين الجيش التركي وحزب العمال، ومن ضمن هؤلاء أكثر من مائتي جندي ورجل شرطة، ونحو أربعمائة مقاتل كردي و84 مدنيا، طبقا لمجموعة الأزمات الدولية. وهذا الرقم يمثل أربعة أضعاف حصيلة النزاع سنة 2009. وقد وصل الأمر بأردوغان إلى التحذير من احتمال اجتياح بلاده لكردستان السورية لقتال حزب العمال، رغم أن خطوة كهذه لن تحظى بدعم شعبي.

ورغم فرص التفاوض مع "حزب الديمقراطية والسلام" الكردي (حزب مرخص في تركيا وغير مرتبط بحزب العمال)، وحتى مع حزب العمال نفسه، فإن أنقرة تخشى من أن تؤدي نتائج الأزمة السورية، مهما كانت مآلاتها، إلى إحياء المشاعر القومية لا في تركيا وحدها، بل في إيران والعراق، مما سيمثل دون ريب تصعيدا للتوتر في المنطقة. وفي هذا المنحى يجدر التذكير بأن إيران، الحليف القوي لدمشق، قد أوقفت ملاحقة حزب العمال ردا على دعم تركيا للثوار السوريين.

وحتى في العراق تعاني الحكومة من تداعيات الحرب في سوريا حيث للأكراد -رغم تمتعهم بحكم ذاتي موسع- خلافات عميقة مع بغداد. وللمفارقة فإن تركيا تشجع تطلعات الأكراد العراقيين وتدعم تحالفا بينهم وبين السنة.

وحدة مفقودة
لكن لهذا الدعم التركي تشعبات اقتصادية، فأنقرة تستورد مباشرة من إقليم كردستان العراق الغاز والبترول بواقع أربعين ألف برميل يوميا دون إذن بغداد التي تعتبر الأمر تجارة غير شرعية. إضافة لدعم رئيس الإقليم مسعود البارزاني للثوار السوريين، في مقابل تماشي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مع المواقف الإيرانية الداعمة للنظام.

وبسبب الدعم الذي يحظى به من تركيا يلتزم البارزاني الحذر الشديد في مواقفه بشأن الأزمة السورية. ففي حين يحاول النأي بنفسه عن "حزب الوحدة الديمقراطي"، فإنه يرعى أحد أهم التشكيلات الكردية السورية وهو "المجلس الوطني الكردي" الذي يجمع عشرات الأحزاب الكردية المناهضة للأسد.

والصراع بين الطرفين (حزب الوحدة والمجلس الكردي) أحد العوامل التي تزيد الموقف تعقيدا. ومصدر الخلاف بينهما هو تباين النظرة إلى مرحلة ما بعد الأسد. ففي حين يطمح المجلس الوطني إلى حكم ذاتي في إطار سوريا فدرالية، يتطلع حزب الوحدة إلى الاستقلال. وهناك مخاوف من أن يتحول هذا الخلاف إلى نزاع مسلح بين التنظيمين خاصة مع اتهام الوطني لحزب الوحدة بالعمل مع النظام وتلقي أسلحة منه.

وفي المحصلة فإن التصعيد المتزايد للعنف يشحذ تطلعات الأكراد إلى مزيد من الاستقلال، وهم يراقبون "الحرب الأهلية" كفرصة غير مسبوقة للظفر بحقهم تقرير المصير. ومن هنا سيكون مصيرهم أمرا حاسما في أي وضع تنتهي إليه سوريا بعد الأسد.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية