يوصف الرئيس العراقي بأنه سياسي توافقي ويقدم العمل السياسي على استخدام العنف (الفرنسية-أرشيف)

تستقرئ مجلة فورين بوليسي الأميركية مستقبل العراق في حال موت الرئيس جلال الطالباني الذي يرقد في المستشفى بعد تعرضه لجلطة دماغية. ويرى كاتب المقال بيتر غالبريث -السفير الأميركي السابق في كرواتيا- أن الطالباني يكاد يكون هو التوافقي والوحدوي الوحيد بين السياسيين العراقيين.

ينطلق غالبريث -صاحب كتاب "نهاية العراق"- في مقالته من صداقته العميقة للرئيس العراقي فهو يعرفه منذ 25 عاما، ويصفه بأنه "أول رئيس (عراقي) منتخب ديمقراطيا منذ آلاف السنين لبلد يعتبر مهد الحضارات".

ويصف الكاتب الرئيس العراقي بأنه شخصية موحدة "وربما كان الشخص الوحيد الموحد بين النخبة السياسية العراقية"، مستدركا أن "هناك مفارقة كونه يبقى شخصية قومية كردية, فهو حينما يتحدث عن بلاده فإنه يعني كردستان وليس العراق، ومن خلال عمله كرئيس للعراق فقد تبنى الدفاع عن حقوق كردستان في ظل الدستور العراقي".

ولكن وبسبب قوة شخصيته, فقد استغل الطالباني منصبه الشرفي كرئيس للجمهورية بشكل كبير من أجل تخفيف حدة الاختلافات بين العراقيين السنة والشيعة والأكراد وتمكن من خلال التوسط مؤخرا بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الفدرالية من إنجاز اتفاقية تم بموجبها سحب القوات المسلحة لكليهما من المنطقة المتنازع عليها حول كركوك, كما توسط في مرات أخرى بين السنة والشيعة وحتى بين الشيعة العراقيين أنفسهم، حسب المقال.

الطالبناني ساعد في إبطال النية لسحب الثقة من حكومة  المالكي (الأوروبية)

شخصية مهيمنة
ويتحلى الطالباني بميزة تعامل فذة وفريدة من نوعها فهو يبدي الدفء للجميع ويعانق ضيوفه ويتبادل معهم الدعابات وحتى يقوم بخدمة ضيوفه شخصيا على مائدة الطعام. وقد حظي بالاحترام من قبل حكومته ومساعديه, "ليس بسبب منصبه ولكن لقدرته وثقته في اتخاذه قراره وسيرة حياته الطويلة في الكفاح ضد الدكتاتورية".

وهذا ما يجعل منه -حسب الكاتب- شخصا يصعب تعويضه, و"هناك اعتقاد بأن الأكراد يريدون أن يستبدلوا به -كرئيس للجمهورية- شخصية كردية أخرى ولكنهم في الحقيقة يريدون استمراره في منصبه بسبب كونه الشخصية المهيمنة من بين الزعماء السياسيين العراقيين الجدد وبسبب معالجته للمشكلة العملية في وجود زعيمين للأكراد"، في إشارة إلى الطالباني نفسه ومسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي تولى رئاسة إقليم كردستان.

أما اليوم فربما لم يعد الأكراد يهتمون بمنصب رئيس جمهورية العراق إذا جرى اختيار شخص آخر غير الطالباني فهم يريدون من بغداد الاعتراف بحقوق حكومة إقليم كردستان الدستورية في النفط, وأجراء استفتاء دستوري بشأن كركوك وغيرها من الأراضي المتنازع عليها, وهم يرون في رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي العقبة الرئيسية أمام تحقيق هذه الأهداف ويخشون من عواقب ميوله الدكتاتورية.

ويرجح الكاتب أن الأكراد سيبدون بعض المرونة بخصوص منصب رئيس الجمهورية في حال وجود اتفاق واسع على استبدال شخصية تلبي مطالبهم بالمالكي.

ويشير المقال إلى أن الرئيس العراقي كان قد ساعد في إبطال النية لسحب الثقة من المالكي, بعد أن أقتربت الكتلة النيابية الكردية ومعها أنصار رئيس الوزراء السابق إياد علاوي من عدد الأصوات اللازمة لاستبدال رئيس الوزراء.

قوة الأكراد
ويبقى الفضل لخصائل الطالباني التصالحية حيث سيكون الأكراد في مركز قوي حتى بعد مغادرة الطالباني لمكتب الرئاسة, فحينما كانت الحرب على وشك الاندلاع ضد العراق عام 2003, سارع الطالباني لعقد علاقة عمل مع منافسه الرئيسي مسعود البارزاني وبات ابن الطالباني الموهوب قباد رئيس طاقم موظفي رئيس حكومة إقليم كردستان وأصبح هناك حكومة ائتلافية بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يترأسه الطالباني والحزب الوطني الكردستاني برئاسة البارزاني وباتا يكثران من اللقاءات بخصوص القيادة المشتركة للإقليم، وهذا يتناقض مع ما كان عليه الحال قبل خمسة عشر عاما حينما كانا يخوضان حربا أهلية كردية كردية.

الطالباني لم يتمكن من حل معظم القضايا الخلافية ويعود ذلك جزئيا إلى كونها غير قابلة للحل, إلا أنه تمكن من إقناع كل الطوائف بأنها ستكسب من خلال السياسة أكثر من العنف

وبالنسبة لحكومة إقليم كردستان العراق ومعها القوة العسكرية المسماة البشمركة, فقد باتت في وضع قوي في مواجهة المالكي وحكومته الفدرالية إذ لديها اقتصاد مزدهر وتقيم علاقات وثيقة بشكل متزايد مع العالم الخارجي خاصة جارتها تركيا على عكس علاقات المالكي مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان, ولا يوجد هناك نفوذ ولا سلطة لبغداد في أربيل.

ووفقا للدستور العراقي يمكن لبرلمان إقليم كردستان تعديل أو إلغاء أي من القوانين الفدرالية المطبقة على كردستان, ومع ذلك فإن الحكومة الفدرالية تسن القليل من القوانين ولكن كردستان تتجاهلها وبات الصراع بين حكومة إقليم كردستان والمالكي صراع الند للند ولا يستطيع أي منهما فرض إرادته على الآخر, وعليه فإن الطوائف العراقية الأقل قوة من الأكراد, هي من ستعاني أكثر وتتألم من غياب الطالباني.

ويذهب الكاتب إلى أنه خلال سنوات العنف الطائفي في العراق قام الطالباني والبارزاني بتوفير ملاذ آمن للمسيحيين وغيرهم ممن هربوا من العنف, وحتى قبل تبوئه منصب رئيس الجمهورية عام 2005, كان الطالباني على تواصل مع شيوخ السنة حتى يقلل من شعورهم بالتهميش.

كذلك حينما عكفت النخبة السياسية العراقية وصناع السياسة الأميركية على المفاوضات الدستورية في صيف 2005, كان الطالباني يعبر عن قلقه من فرق الإعدام الشيعية والتي كان لها روابط مع وزارة الداخلية وتستهدف السنة, عندها وفرت فرق العمل التابعة للطالباني مقدارا من الثقة للزعماء التقليديين السنة والتي كانت مفتاح تعاونهم في تشكيل مليشيا الصحوة لقتال القاعدة وحقق الطالباني نجاحا.

وقد فشلت معظم وساطات الطالباني لأنه أخفق في إدراك الخلافات من وجهة النظر القومية والدينية العميقة بين الطوائف العراقية بشأن مستقبل العراق, فالأحزاب الشيعية المهيمنة تريد تعريف العراق كدولة شيعية بينما يرى السنة العرب أن العراق جزء من الدولة العربية السنية الأكبر، حسب الكاتب.

ويخلص غالبريث إلى أنه رغم أن الطالباني لم يتمكن من حل معظم القضايا الخلافية ويعود ذلك جزئيا إلى كونها غير قابلة للحل, إلا أنه تمكن من إقناع كل الطوائف بأنها ستكسب من خلال السياسة أكثر من العنف.

وكانت مساهمة الطالباني الفذة في هذا السياق بأن الاستقطاب أفضل من فرض مجموعة إرادتها على الآخرين, و"رغم وجود العديد ممن يمكنهم أن يخلفوا الطالباني كرئيس للجمهورية, فإن العراق بحاجة لمن يملأ الفراغ الذي سيتركه, ولكن لا يمكن لأي من هؤلاء القيام بذلك".

المصدر : فورين بوليسي