المظاهرات وحواجز الحماية باتت مشهدا يوميا في حياة المصريين (رويترز)

هل هناك دولة مصرية؟ سؤال يطرحه الباحث شادي حامد من معهد بروكينغز في معرض نقاشه للصراع الجاري في مصر بين الإسلاميين، وباقي القوى المعارضة الليبرالية والاشتراكية وما تسمي نفسها المدنية، خصوصا أن الاستفتاء على الدستور تحول إلى معركة كبرى بشأن السلطة وهوية البلاد ومستقبلها.

ويرى الباحث في مقال نشر على الموقع الإلكتروني للمعهد أن الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي مؤخرا وضع القوى المعارضة في مواجهة جديدة مع الإسلاميين، حيث تجمع العديد من المحتجين أمام القصر الجمهوري للاحتجاج على قرارات مرسي التي يزعمون أنها تمنحه سلطة فردية وكذلك اعتراضا على اندفاعه لإقرار دستور مثير للجدل، مما يعيد مجددا -وبطريقة قاتمة- فضح حالة عدم الاستقرار في البلاد.

ويقف الثوريون صفا واحدا في نعت الإخوان المسلمين باستنساخ الدولة البيروقراطية القديمة، ويشكون من استغلال ثورتهم بغير وجه حق. وتصف المعارضة رئيس البلاد بأنه دكتاتور، كما أنها تعتبر الإعلان الدستوري آخر حلقة من قائمة طويلة لسوء استخدام السلطة.

هتلر جديد
ويرفض الباحث تشبيه المعارضة لمرسي بأنه هتلر جديد، لكنه يقر بأن جماعة الاخوان عينوا قادة من وزارة الداخلية والجيش وجهاز المخابرات ممن ارتكبوا بعضا من أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان في عهد حسني مبارك دون أن تتم معاقبتهم حتى حينه.

الثوريون يقولون إن ثورتهم سرقت (الأوروبية)

ولكن هؤلاء الثوريين الشباب المنتقدين ليسوا سوى أقلية صغيرة -وفق الباحث- فبقية المعارضين هم في الغالبية من الليبراليين والاشتراكيين وأنصار النظام السابق والمصريين العاديين الغاضبين، ولكل من هؤلاء أهدافه وشكواه. فاليساريون والليبراليون بقيادة محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى لا توجد بينهم سوى القليل من القواسم المشتركة إلى جانب الخوف من أن تكون دولتهم قد تم الاستيلاء عليها من قبل الإسلاميين.

لكن مع ذلك يرى حامد أنه في حين أن هؤلاء المعارضين ربما يكونون ليبراليين من وجهة معارضة الدولة في التدخل بالملكية الخاصة، إلا أن انتماءهم إلى الديمقراطية يمكن وصفه بالزئبقي في أحسن الأحوال.

فالعديد منهم رحب بحل أول برلمان منتخب بطريقة ديمقراطية وطالبوا العسكر بالتدخل "لحماية" الدولة المدنية، وحتى أنهم منحوا أصواتهم إلى أحمد شفيق آخر رئيس وزراء بعهد حسني مبارك في مواجهة د. محمد مرسي خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ولم تكن مشكلة الليبراليين مع مرسوم الرئيس مرسي تكمن في مضمونه "الاستبدادي" ولكن من الخشية أن يستثمر ذلك لخدمة وأيديولوجية الأسلمة التي يعتبرونها أكبر تهديد لمصر، علما بأن الإخوان المسلمين يصرون وبحق حتى حينه على أنهم لن يفرضوا أية قوانين إسلامية على الشعب.

خوف متبادل
لكن الإخوان المسلمين فاتهم أن الليبراليين وغيرهم لا يخشون مما قام به الرئيس مرسي، ولكن مما قد يقوم به وهو أمر من المستحيل إثبات عدم حصوله، وعليه فإن قلب المشكلة يكمن في خلق ثقة من أجل طمأنة هؤلاء.

كما أن الإسلاميين لهم مخاوفهم في عدم الثقة بالجانب الآخر سواء كان ذلك حقا أو باطلا، وهو ما دفع بالرئيس مرسي لإصدار مرسوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني كما يصر المقربون منه. فالإخوان يرون خطرا وجوديا يلوح في الأفق عن طريق قيام المحاكم بحل كل من الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى.

مؤيدو مرسي يخشون من الانقلاب على الجماعة وعلى حكم الإسلاميين ( الأوروبية)

ويوضح الباحث "قال لي مسؤولون في حزب الحرية والعدالة إنهم تلقوا أخبارا من قضاة متعاطفين معهم أن هناك قرارات في الأدراج معدة لإلغاء مرسوم الرئيس مرسي الصادر يوم 12 أغسطس/ آب الذي أخضع الجيش للسلطة المدنية وربما الطعن في قانون انتخابات الرئاسة، وفي هذا السياق أخبرني أحد كبار المسؤولين في الإخوان المسلمين -ممن ينتقدون رئاسة مرسي بالسر- أنه إن لم يقم الرئيس مرسي بخطوته الاستباقية فإن الخطوة التالية ستكون في حل وإغلاق مكاتب الإخوان المسلمين".

معركة وجود
وفي نفس الوقت يدرك الإخوان المسلمون ما بمرسوم مرسي من سوء، ولكنهم يقولون إنه لم يكن هناك من خيار آخر. وكانت الرسالة واضحة بأن الإخوان يخوضون معركة وجود، ووصف أحدهم ذلك بأنه كتعريض المريض للصدمة بدلا من تركه يلقى حتفه.

ويجمل حامد القول بأن الإخوان يرون في معارضيهم سواء كانوا من الليبراليين أو القضاة وعناصر من الجيش ومسؤولي الحكومة البيروقراطيين بأنهم مناوئون للديمقراطية، وأخذوا على شخصية ليبرالية مهمة مثل البرادعي فشله في رفض حل مجلس الشعب وكذلك دعوته الجيش للتدخل لاستعادة "النظام والقانون".

ويؤكد الباحث أن المفارقة في مناهضة غير الإسلاميين للإخوان هي في الطبيعة المعتدلة والبناءة لزعامة الإخوان بالرغم من هفواتها والتي تختلف عن تلك في أوائل الثمانينيات حينما دعت الجماعة إلى تطبيق الشريعة كمطلب رئيسي لكنها تطالب اليوم بتكييف القانون المصري مع الشريعة، وهو ما يجر عليها خلافا مع السلفيين أيضا.

ويقارن حامد بين تحركات الإخوان في ثمانينيات القرن الماضي، وتصرفاتهم في الوقت الراهن، فيرى أن الدعوة للديمقراطية كانت الصورة الجديدة حيث ركز برنامج الإخوان في الوقت الحالي على كيفية إقامة نظام قابل للتطبيق وضمان استقلال الحكومات المحلية بعيدا عن السلطة التنفيذية المركزية وإسناد السلطات إلى المحافظين بدلا من الوزراء.

وبعد ثورة 25 يناير نادى الإخوان وجناحهم السياسي (حزب الحرية والعدالة) بضرورة زيادة سلطات الرئيس على حساب البرلمان والحكومة، ولكنهم ما زالوا يعتقدون بأنهم ديمقراطيون كما يتبين من شعاراتهم المنادية بالشرعية الانتخابية وإرادة الغالبية الشعبية, أما بالنسبة للدستور فهم ما زالوا يصرون على أنه معتدل وأنه وثيقة صيغت بالإجماع وهم يرون أن نصوصه الإسلامية في حدها الأدنى وفي خلاف صارخ عن الثمانينايت.

لكن الليبراليين لديهم رواية مختلفة بالكامل، فهم يعارضون كلا من العملية والمحتوى، ويتهمون الإسلاميين بالسيطرة على الجمعية التأسيسية للدستور.

المصدر : مواقع إلكترونية