الحزب الشيوعي الصيني انتخب الأربعاء قيادة جديدة تتولى قيادة الدولة والمجتمع (الجزيرة)

تستعد الصين بعد تغيير قيادات الحزب والدولة لمرحلة جديدة يقودها قادة جدد أفرزهم مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم الذي أنهى أعماله الأربعاء. وترى مجلة فورين أفيرز أن الرئيس الصيني هو جينتاو سيغادر منصبه والبلاد تتمتع بالازدهار والقوة، لكنها تعاني من غياب العدالة وجمود الحياة السياسية والمخاطر الاجتماعية الكامنة.

ويرى الكاتب دامين ما في مقالته المنشورة بالمجلة الأميركية أنه لو سئل الصينيون هل حياتهم أفضل مع انتهاء ولاية الرئيس جينتاو وقدوم رئيس جديد؟ فإن الإجابة قطعا ستكون: لا.

فبالرغم من الطفرة الصينية المشهودة -حسب الكاتب- فإن الازدهار الذي يعم الصين لا يشمل الجميع بقدر متساو، كما أن جينتاو يترك البلاد قوية ولكنها غير آمنة بشكل كبير, فقد شهدت الصين في السنوات الأخيرة صدامات قوية للمطالبة بالمساواة الاجتماعية والحريات الفردية وهتف صينيون ضد سيطرة الحزب الواحد ودفاعه المستميت للحفاظ على الأمر الواقع.

ويلفت الكاتب إلى أن الرئيس الصيني وأركان حكمه يسلمون الإدارة الجديدة تركة اقتصادية بعيدة عن المثالية والإعجاب ومجتمعا مهلهلا أكثر مما كان عليه الحال لدى تبوئهم سدة الحكم, ولعل الأهم من ذلك أنهم خلفوا وراءهم وضعا أكثر فسادا وقمعا مما كان عليه الحال في الحقبة الليبرالية المراقبة في التسعينيات.

جينتاو يسلم القيادة والازدهار يعم البلاد لكن مع شكاوى من غياب العدالة الاجتماعية
(الفرنسية)
ويعزو الكاتب ذلك جزئيا إلى تنامي دور الحكومة في نمو الاقتصاد الصيني بما يعني أن من يملك القوة السياسية يمكنه أن يترجمها إلى مكاسب مالية, في حين أن غالبية  الصينيين الذين لا يمتلكون روابط وعلاقات سياسية يرون تراجع حظوظهم الاقتصادية بسبب ما يشاهدونه من تدفق الأموال إلى الطبقات السياسية.

الملايين يهاجرون
ويذهب الكاتب إلى أنه من المعايير الواضحة لتقييم الرئيس الصيني ورئيس وزرائه وين جياباو هو النمو الاقتصادي وازدياد الناتج المحلي من1.5 تريليون دولار عام 2002 إلى 7.3 تريليونات عام 2011 ونمو الناتج المحلي بنسبة معدلها 10% سنويا مما زاد دخل الفرد العام في المدن من 1000 دولار عام 2002 إلى 3500 دولار عام 2011 وقد لمس سكان الأرياف ارتفاع دخلهم بصورة حادة أكثر من ذلك, على ضوء كون معدل دخلهم لا يتجاوز 300 دولار عام 2002، لذا لم يكن بإمكانهم سوى التطلع إلى ما هو أعلى والهجرة إلى المدن وقد بلغ عددهم مئات الملايين.

ويقر الكاتب بأن سياسة جينتاو قد وفرت دخلا لمئات الملايين من الصينيين عبر ازدياد الصادرات، لكن ازدياد الثروة والازدهار لم يتم توزيعهما بالتساوي بين أفراد الشعب الصيني مما فرض تكاليف ثقيلة على الجميع بسبب حمى شراء الطاقة من قبل الرئيس وإدارته من أجل توفير الطاقة للتصنيع بحيث تضاعف استهلاك الصين من الطاقة.

ويشير مقال فورين أفيرز إلى أنه من أجل "جشع" جينتاو وإدارته للطاقة لتحفيز النمو الاقتصادي, فقد ضحى بنوعية حياة السكان الصينيين وذلك بالتزامن مع الانفتاح نحو العالم الخارجي, وهو ما غير حياة الصينيين بطرق يمكن أن تزعزع استقرار النظام السياسي, عن طريق عدم المساواة الاجتماعية, وحتى بذريعة الازدهار فهم أوجدوا طبقة متوسطة طارئة, وبات عدم المساواة  يشكل قلقا وهاجسا لبكين التي أوقفت نشر بيانات رسمية في هذا الخصوص المسمى "غيني" وهو المعيار لقياس عدالة توزيع الدخل.

وتعتبر ندرة السلع العامة مثل الرعاية الصحية عنصرا حاسما في زيادة عدم المساواة الاجتماعية سوءا, ورغم أن الصين ما زالت دولة اشتراكية, فإنها خفضت المصروفات على الرعاية الصحية, في حين ارتفعت المصروفات الصحية الشخصية بشكل كبير خلال العقد الماضي، ففي عام 2010 شكلت المصروفات على الرعاية الصحية 35% من مجمل إنفاق السلطات الصحية الصينية مقارنة مع أقل من 30% مخصصة للإنفاق الحكومي.

شي جينبنغ سيتولى قيادة الدولة في المرحلة المقبلة ويخلف الرئيس جينتاو
( الأوروبية)

أنياب الصين
وباختصار يمكن القول إن الحكومة الصينية خصصت الأموال لدعم النمو الاقتصادي وليس لمتطلبات الرفاه الاجتماعي للشعب الصيني, وبرغم تضاعف الاقتصاد الصيني في الفترة من 2002 إلى 2011 بأربعة أضعاف, فإن إنفاق الصين على الرعاية الصحية بقي ثابتا بنسبة 4.8% من مجمل الإنتاج المحلي.

أما في السياسية الخارجية، فيذهب المقال إلى أن الصين كشرت عن أنيابها تجاه جيرانها خلال السنتين الأخيرتين مما دفع الولايات المتحدة لإعادة أولويات التوازن العسكري في آسيا, وبرغم مغادرة جنتاو منصبه خلال الأيام القادمة, فإن التوتر مع اليابان ما زال يغلي دون أن يلوح أمل قريب في الحل.

يخلص الكاتب دامين ما إلى أن الصين أصبحت خلال ولاية جينتاو ثاني أكبر اقتصاد في العالم, ورغم ذلك فإن الرئيس الصيني ورئيس وزرائه يغادران السلطة مع اقتصاد متباطئ وزيادة في الاحتجاجات الشعبية واتساع الهوة مع الطبقة الوسطى الصينية لعدم المساواة وافتقار الحريات السياسية.

ويضيف أنه بالرغم من نجاحات بكين خلال العقد الماضي فإنه من الصعب الثناء على الإدارة المنصرفة، فهناك العديد من المشاكل ينتظر أن تكشف عن عدم ثبات ما يعرف بالمعجزة الصينية إلى أمد طويل, وهناك تراجع في الطلب العالمي على المنتجات الصينية. كما أن النظام السياسي الذي يعتمد على الكعكة الاقتصادية لا يوزعها بشكل عادل بل يثري أركانه، كما أن البيئة الأمنية المستقرة في الماضي تفسح المجال حاليا أمام تصدعات يمكن أن تخرج عن السيطرة إن لم يتم التعامل معها بشكل لائق.

ولا يستبعد كاتب المقال أن تؤدي الضغوط الاجتماعية بين أفراد الطبقة الدنيا في الصين إلى زعزعة النظام الصيني السياسي كما أن أكثر ما يحتاجه الحزب الشيوعي الصيني ليس التحول نحو اقتصاد رأس المال كما حصل في العقد الماضي، ولكن محاسبة النخبة السياسية التي جعلت الأفضلية لحصولها على منافع اقتصادية على حساب الطبقة الوسطى من الشعب الصيني، ويستشهد بتقارير غربية تقول إن رئيس الوزراء المنصرف قد يكون جمع ثروة تبلغ نحو 2.7 مليار دولار.

وفي الختام يرى الكاتب أن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين قد يواجه تحديا خطيرا خلال العقد القادم، فمن بين الإصلاحات المطلوبة إيجاد المزيد من الشفافية والمساءلة وإقامة حكم ودولة القانون التي من شأنها تخفيف الضغط عن النظام السياسي وبخلاف ذلك سيجد الحزب الشيوعي نفسه يندب حظه على فقدانه السلطة لدى حلول دورة التغيير المقبلة عام 2021.

المصدر : فورين أفيرز