القبلية في ليبيا لعبت دورا مهما في إسقاط القذافي وما زالت حاضرة في النظام الجديد ( الأوروبية)

يرى باحث من مركز فرايد الإسباني للدراسات الإستراتيجية أنه رغم الانتخابات والإصلاحات الدستورية، فإن عملية دمج الأقليات القبلية والإثنية في العديد من البلدان ذات الغالبية السكانية العربية تبقى غير كاملة.

ففي البلدان التي للقبائل فيها تأثير قوي، أصبحت تلك القبائل مكونا هاما في المشهد السياسي، بينما تبقى تلك القبائل مهمشة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية في بلدان أخرى.

ويقول الباحث تيد ليو في بحث نشره على موقع المركز إنه يتبين من التجارب الديمقراطية الدولية السابقة، أن التحولات الناجحة تميل إلى تجاوز الاختلافات الإقليمية والعرقية والاقتصادية وتحكمها ائتلافات على قاعدة عريضة. أما في البلدان التي يتم فيها استبعاد الأقليات الكبيرة والمهمة من المشهد السياسي، فإن الممارسات الديمقراطية ينتهي بها المطاف إلى شلل سياسي أو عنف، وقد تتسبب في تغيير النظام.

ففي بلدان جنوب البحر المتوسط التي تجري فيها إصلاحات سياسية هناك غالبية عربية، ولكن تاريخهم وهويتهم الإقليمية المتميزة قد تمثل تحديا عسيرا لاستقرار أنظمتهم السياسية الجديدة، حسب الباحث.

شيوخ القبائل في اليمن يعملون كقادة مجتمع ويفلحون في استقطاب إجماع حولهم
(الجزيرة-أرشيف)

لكن في الوقت نفسه، إذا ما تم دمجها في البنية السياسية المتطورة، فإن العادات القبلية والاختلافات الإقليمية يمكن أن تساهم في نجاح العملية الديمقراطية. فقد تعاظمت التقاليد القبلية في كل من ليبيا ومصر واليمن في غياب تمثيل لحكم فعال، فيعمل الشيوخ في الغالب كقادة للمجتمع ويفلحون في استقطاب إجماع حولهم.

تطور محلي
أما في الأردن فإن العلاقات الوثيقة مع القبائل شكلت ضرورة سياسية للنظام الملكي، فالقبائل ممثلة في الهيئة القضائية والقبلية التي تسيطر على الجيش والسياسة، وباستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي فإن بقية الأحزاب السياسية يسيطر عليها الوهن وتبقى العلاقات القبلية هي الطريق الأسهل والأقصر للحصول على المنصب. وعمل البرلمانيين الأردنيين أشبه بأسلوب نظام التعيين التقليدي، وحيث يكون مصدر شرعيته وقوته هو مدى خدمة مصالح أنصاره.

ومع ذلك فإن الشواهد تبين أن التقاليد القبلية ربما تمثل تطورا ديمقراطيا لأن الأردن لا يمتلك بنية حزبية قوية لتوفير الدعم اللوجستي والمالي، ولذلك فإن النظام القبلي يوفر في بعض الحالات بنية تحتية انتخابية يحتاجها المرشحون للفوز والنجاح، فضلا عن أن بعض القبائل تجري انتخابات داخلية لتحديد من سيمثل القبيلة في الانتخابات العامة. وقد أثنى من شارك فيها على نزاهتها حيث أتيحت الفرصة للرجال والنساء للمشاركة.

بعد الربيع العربي
يرى الباحث أنه كان للتحالفات الإثنية والقبلية دور مهم في التحولات والتغييرات التي حصلت في المنطقة العربية خلال العامين 2011 و2012، وعلى وجه الخصوص في ليبيا وبدرجة أقل في مصر. وعلى العكس مما حصل في تونس بسكانها المتجانسين حيث لم تلعب الإثنية دورا هاما هناك.

كما أن للتحالفات القبلية والإثنية نفوذا في بعض البلدان التي لم يتم فيها تغيير النظام، ولكنها بادرت إلى عملية إجراء إصلاحات دستورية وقضائية مثل الأردن والمغرب، وبدرجة أقل في الجزائر.

ويستشهد الباحث بالمثال الليبي فيقول إن العقيد الراحل معمر القذافي عمد إلى استبعاد القبيلة كوحدة قانونية، وأعاد تنظيم البنى الإدارية المحلية بما يتفق ومصالح نظامه، لكن القبائل حافظت على نفوذها ومكانتها الاجتماعية والسياسية سواء في عهده أو بعده.

القبائل القوية ستستمر في لعب دور مؤثر في العملية السياسية بليبيا، وحيث إن غالبية المواطنين الليبيين ذوو انتماءات قبلية، فإن المصالح القبلية ستبقى مهيمنة على توجه المستقبل السياسي للبلد

ففي الجنوب الليبي كان مزيج من العرب والأمازيغ والطوارق وأقلية الطوبو يقومون بدور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي اجتثها القذافي بعد انقلاب عام 1969. ورغم أن بعض القبائل تعاونت مع النظام، فإنها وقفت في وجهه عندما شعرت بتعرض مصالحها للخطر.

ولعب انشقاق القبائل ذات النفوذ القوي دورا حاسما في نجاح الثورة ضد نظام القذافي عام 2011، وبعد الإطاحة به وانتقال الحكم إلى المجلس الوطني الليبي، ورثت الحكومة الليبية الجديدة واحدة من أضعف مؤسسات الدول في المنطقة، وشعر العديد من المواطنين أن مناطقهم أو قبائلهم تستمر في السيطرة على الموارد الاقتصادية المهمة مثل حقول النفط، وأن لها نفوذا أقوى من نفوذ السلطة المركزية البعيدة.

ويذهب الباحث إلى أن القبائل ذات العلاقات الجماهيرية القوية ستستمر في لعب دور مؤثر في العملية السياسية، وبما أن غالبية المواطنين الليبيين ذوو انتماءات قبلية، فإن المصالح القبلية ستبقى مهيمنة على توجه المستقبل السياسي للبلد. كما أن نجاح الانتقال والتحول السياسي يعتمد في جزء كبير منه على طريقة تعامل النظام في طرابلس بطريقة بناءة مع ممثلي القبائل والأقاليم وتناغم مصالحهم المختلفة مع احتياجات التحول المنظم إلى الديمقراطية.

حكومة مركزية
أما في مصر وعلى العكس من ليبيا، فإن الأقليات الإثنية ليست بالقوة الكافية لتحدي الحكومة المركزية بشكل جدي. ولعل التحدي الرئيسي خلال الفترة الانتقالية يتمثل في قوة البدو والنوبيين الذين يتمركزون في المناطق النائية، حيث يتبين أنهم كانوا مستبعدين خارج العملية السياسية، وأصر نظام مبارك على تجاهل احتياجات هؤلاء السكان.

وعلى شاكلة العديد من الأقليات من البدو المصريين والنوبيين، هناك مجتمعات أمازيغ شمال أفريقيا الذين يعيشون في المغرب والجزائر الذين يحاولون الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وهم يشعرون بالإحباط لعدم حصولهم على مراكز ومناصب سياسية رغم أنهم يشكلون ما بين 40 إلى 57% من سكان المغرب، و25% من سكان الجزائر، علما بأن الأمازيغ يكافحون في كلا البلدين من أجل مزيد من الاعتراف السياسي ورفع صوتهم ضد الإهمال الاقتصادي لمجتمعاتهم.

أما في اليمن فقد كان أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين هو المطالبة بنظام سياسي ديمقراطي أكثر تمثيلا وشمولية، ويشمل الشباب والجنوب الذي كثيرا ما تم تجاهله، وعليه فإن عملية شاملة ستكون ضرورية لنجاح الحوار الوطني المتوقع أن يجري عام 2013.

أمازيغ شمال أفريقيا يشعرون بالإحباط
لعدم حصولهم على مراكز سياسية (الأوروبية)

الخلاصة
يعتبر التحول السياسي أمرا مثيرا جدا للتحدي حينما يشمل توليفة وتوافقا بين الإثنيات والتقاليد القبلية والمصالح المختلفة. ودلت التجارب السابقة على أنه في الوقت الذي يتم فيه إنشاء مؤسسات مدنية ودمج الأقليات أو سكان القبائل في العملية السياسية، فإن نفوذهم يجب ألا يقوض المؤسسات المدنية والهوية.

وبالنسبة لمعظم الدول العربية فإن البنى القبلية عبارة عن جزء مهم من المجتمع لا يمكن الاستغناء عنه، ويجب أن يدمج في نظام الحكم الشامل إذا أريد لعملية الانتقال أن تتم بنجاح، ففي مصر يستمر البدو والنوبيون في تشكيل أقلية لها وزنها في سكان البلاد، ولهم حدود إستراتيجية مهمة مع كل من إسرائيل والسودان.

أما في ليبيا فإن المليشيات في الأقاليم تسيطر على الموارد، وعليه يجب على طرابلس التعاون مع القبائل. وفي اليمن يجب على الزعماء القبليين الاقتناع بضرورة العمل لأجل المصلحة الوطنية بشكل أكبر، بدلا من التركيز على حقوق ومنافع مكتسبة. زد على ذلك، فإن السكان الأمازيغ الكثر في كل من المغرب والجزائر، يحق لهم احترام طموحاتهم الأمازيغية ضمن الطموحات القومية الأوسع.

ومن الضروري لكل دولة ومن أجل التغلب على التحديات التي تواجهها، أن تتواصل السلطات الانتقالية مع الأقليات الإثنية والقبلية والاجتماع بممثليها وإبداء مشاعر التعاطف مع مصالحها وهمومها.

المصدر : مواقع إلكترونية