مخاوف من تورط تركي أعمق في الصراع السوري (الفرنسية)
استهل الكاتب محمد أيوب تعليقه بصحيفة غارديان البريطانية بأن على تركيا أن تحذر من المستنقع السوري وأنها تجازف بالانجرار إلى صراع تستطيع تفاديه، بخلاف السعودية والولايات المتحدة.

وقال الكاتب إن المزاج العام في البلاد كئيب بعد القصف المدفعي عبر الحدود والخسائر في الأرواح على كلا الجانبين. وخلال الأشهر القليلة الماضية كان للحماسة شبه الإجماعية التي دعمت بها تركيا المعارضة السورية أثرها في إفساح المجال لمزاج أكثر تأملا بعد أن أصبحت العواقب السلبية لهذا التدخل واضحة بشكل متزايد.

فقد كان التأييد التركي لحركة الديمقراطية في سوريا مثاليا وواقعيا. وقد شعر حزب العدالة والتنمية الحاكم بأن شرعيته، التي تستند إلى مؤهلاته الديمقراطية، يمكن أن تُقوض بدرجة خطيرة إذا لم يمد يد العون إلى الحركة المجاورة. وأنقرة أيضا قدرت أن أفضل ما يخدم مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية الطويلة المدى يأتي من دعم المعارضة، على أمل أن المرحلة الانتقالية في سوريا ستكون سريعة والنظام القادم سيكون ممنونا لتركيا على دعمها. كذلك أرادت أنقرة أن تبعث رسالة إلى واشنطن بأنها ما زالت في المعسكر الغربي، رغم الخلافات مع الولايات المتحدة بشأن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وبرنامج التخصيب النووي الإيراني.

وأشار الكاتب إلى أنه لفترة من الزمن بدت الأمور تسير كما هو مخطط لها، لكن الأحداث أخذت منعطفا مختلفا جدا. فقد تحولت الحركة الديمقراطية السورية من المعارضة المدنية إلى التمرد المسلح، حيث بدأ عدد من الجماعات ينخرط في مواجهات شرسة مع قوات أمن النظام، وهو ما أدى إلى فقدان آلاف الأرواح. وعلاوة على ذلك بات واضحا أن تركيا، وقوى أخرى كذلك، استخفت كثيرا بقوة نظام الأسد واستعداده لأن يترك خلفه فوضى عارمة بدلا من قبول انتقال سلس للسلطة.

كما وجدت تركيا نفسها بين براثن حرب إقليمية باردة بين السعودية -الداعم الرئيسي للمعارضة الديمقراطية- وإيران، الداعم الأقوى للأسد. وهذا الأمر هدد العلاقات التركية مع إيران، المورد الرئيسي لطاقتها.

عواقب مدمرة

لابد لأنقرة أن تتحرك بحذر شديد وتعمد إلى إعادة تقييم شاملة لتورطها. وإلا فإن الفوضى السورية يمكن أن تصير فوضى تركية كذلك
والأهم من ذلك هو أن الأتراك أصبحوا على وعي متزايد بعواقب الصراع المدمرة لمجتمعهم. فقد وسع دعم تركيا النشط للثوار المناوئين للأسد فجوة الانقسام الطائفي بين الأغلبية السنية (التي تؤيد الثوار ذوي الأغلبية السنية) والأقلية العلوية المتعاطفة مع نظام الأسد العلوي المهيمن. والعلويون في تركيا، الذين يطابقون الهيمنة السنية بالحزب التركي الحاكم، يعترفون بمشكلة مشابهة تواجهها الأقلية العلوية في سوريا التي تواجه ثورة سنية في معظمها. وهذا يفسر جزئيا معارضة حزب المعارضة التركي الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري الذي يعتمد على الكتلة الانتخابية العلوية، لموقف الحكومة الثابت المناوئ للأسد.
 
وأضاف الكاتب أن المشكلة الكردية الدائمة في تركيا تواجه أيضا خطر التفاقم. فالفصائل الكردية في سوريا مرتبطة بحزب العمال الكردستاني الذي يسيطر حاليا على أجزاء من الشمال السوري التي يمكن أن تصير ملاذات آمنة لأفراد الحزب، ومنهم كثيرون انتقلوا من كردستان العراق. وسياسة تركيا الطويلة لكسب حكومة أكراد العراق إلى صفها ضد حزب العمال الكردستاني تتعرض الآن لخطر الانهيار.

والأحداث الأخيرة تجعل هذا الوضع الخطير أكثر قابلية للانفجار بعد أن صدق البرلمان التركي على تفويض بعمل عسكري في سوريا، رغم قول مستشار كبير لرئيس الوزراء التركي إن "تركيا ليس لديها مصلحة في أي حرب". ومع ذلك تجازف تركيا بالانجرار إلى صراع إقليمي من دون ترو كاف وبعواقب لا يمكن التنبؤ بها.

وختم محمد أيوب مقاله بأن الأنصار الرئيسيين الآخرين للمعارضة السورية، السعودية والولايات المتحدة، لديهم المتسع للعودة إلى أوطانهم وترك سوريا لمصيرها إذا ما أصبح الوضع هناك فوضويا تماما. ونظرا لقرب تركيا فإنها للأسف ليس لديها هذا الترف. ومن ثم لا بد لأنقرة أن تتحرك بحذر شديد وتعمد إلى إعادة تقييم شاملة لتورطها. وإلا فإن الفوضى السورية يمكن أن تصير فوضى تركية كذلك.

المصدر : غارديان