هل تتحول المعجزة التركية لخيبة أمل؟
آخر تحديث: 2012/1/22 الساعة 14:12 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/1/22 الساعة 14:12 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/28 هـ

هل تتحول المعجزة التركية لخيبة أمل؟


هل المعجزة الاقتصادية التركية على وشك أن تتلاشى؟ وهل يرى الأتراك في نهضة بلادهم الحديثة استعادة لمجد الإمبراطورية العثمانية الغابر، أم إنهم سيكونون الضحايا القادمين لحالة الفوضى الاقتصادية في أوروبا والاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط؟

وهل توشك تركيا على دفع ثمن ثقتها الزائدة في نفسها والتي تولدت لديها طوال عقد من النجاحات، فيما تعاني جاراتها من التراجع أو تتعرض للكارثة؟

أسئلة عديدة حاول الصحفي باتريك كوكبيرن الإجابة عنها في مقال نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية.

فتركيا درجت على الوقوع تحت براثن النفوذ العسكري الخفي أو العلني منذ إنشائها، وانتهى المطاف بها أخيرا إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا، وانتعش اقتصادها على نحو مذهل مما جعلها الدولة الخامسة عشرة في العالم من حيث قوة الاقتصاد، وحظيت بإشادة عالمية باعتبارها دولة إسلامية معتدلة، مما يجعلها نموذجا يتعين على البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي أن تحذو حذوه.

على أن التفاؤل التركي له قرائن تنذر بشؤم مثل ما في تجربتيْ إيرلندا واليونان، اللتين لهما تاريخ من الفقر والهجرة جعلت أهلهما نفسيا يتوهمون أن الرخاء الاقتصادي قد حلَّ بهم أخيرا بعد أن ظلوا محرومين منه طويلا على نحوٍ جائر. فكان أن تولَّدت عن مغالاتهم في الاعتقاد بالازدهار فقاعات اقتصادية كارثية.

فهل سيحل ضرر مماثل بتركيا جراء أفكارها الخاطئة عن نجاحها الأخير؟ بعض الخبراء يخشون ذلك. يقول أتيلا يشيلادا –المستشار الاقتصادي لمنبر إسطنبول أناليتيكس، وهو مركز إعلامي متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية التركية- إن الشعب كله بدا وكأنه مفتون ومخدر حتى اعتقد أنه في وطن فريد، وأنه هو الذي صنع نموذجه الاقتصادي الناجح.

ويخامر يشيلادا شعور بأن تركيا على شفا أزمة ديون طاحنة، قائلا "إن اعتقادنا بأننا محصنون سيجعل الانهيار -إذا حل في نهاية المطاف- هو الأسوأ بكل ما في الكلمة من معنى".

فالمعجزة الاقتصادية التركية اعتمدت على تدفق رأس المال الأجنبي، وهذا ربما يتوقف قريبا. والبنوك الأوروبية غارقة في مشاكلها، غير أن تركيا لا تبدو في نظرها ذلك البلد ذا المستقبل المشرق الذي كان.

لا تسير كل الأمور على نحو سيئ بالنسبة لتركيا، فقد أصبحت بحق قوة إقليمية. وربما كانت قناعتها بقوتها مُبالغا فيها، لكن الدول التي كانت تتمتع بقدر من القوة فيما مضى مثل مصر وسوريا والعراق وحتى ليبيا منقسمة على نفسها اليوم وغير مست
وبالمثل ربما تكون تركيا قد مرت بأوج حضورها وتراجعها في مجال السياسة الخارجية، فقد كانت محاطة بدول معادية لها في العقدين الماضيين، لكن تلك الدول باتت صديقتها إلى حد بعيد بحلول عام 2009
.

ثم صارت تركيا دولة ذات نفوذ كبير في العراق وسوريا وباقي أجزاء الشرق الأوسط. فقد كانت حليفا وثيقا لبشار الأسد في سوريا، وصديقا لمعمر القذافي في ليبيا.

ثم جاءت ثورات الربيع العربي حيث ردد المتظاهرون شعارات تطالب بإقامة نظام يشبه إلى حد كبير الديمقراطية الإسلامية المعتدلة التي سبقتهم تركيا في إنشائها.

ولأن تركيا تراهن على الرابحين، فقد قطعت علاقاتها مع القذافي بمهارة -وإن كان على نحو مريب- لتتبنى قضية الثوار. بيد أن تركيا لم تصادف نفس النجاح في تعاملها مع الأزمة السورية، فانتهى بها الأمر دون أن يكون لها نفوذ في دمشق.

ومثلما حدث في الجانب الاقتصادي، دفعت الثقة الزائدة تركيا إلى ارتكاب أخطاء جسيمة. فقد ظنت خطأً في بادئ الأمر أن لها من النفوذ في دمشق ما يشفع لها لحمل الرئيس الأسد على تطبيق إصلاحات جدية، أو تقاسم السلطة مع مناوئيه، أو حتى على التنحي عن السلطة.

وبدا جليا من ثم أن القيادة السورية لا تنوي فعل شيء من ذلك، فعكَّرت المياه فغاص الأتراك معها في الوحل.

وفي العراق كان لتركيا حضور ذو شأن لكنه ظل محدودا، وبذلت أنقرة جهدا دبلوماسيا كبيرا دون أن تجني فوائد تُذكر. فقد انصب القسط الهام من نجاحها على الجانب التجاري، حيث أصبحت السوق العراقية أكبر مستورد للمنتجات التركية بعد ألمانيا.

لكن ليست الأمور كلها تسير على نحو سيئ بالنسبة لتركيا، فقد أصبحت بحق قوة إقليمية. وربما كانت قناعتها بقوتها مُبالغا فيها، لكن الدول التي كانت تتمتع بقدر من القوة فيما مضى مثل مصر وسوريا والعراق وحتى ليبيا منقسمة على نفسها اليوم وغير مستقرة.

كما أن إيران لم تعد بتلك القوة التي كانت عليها من قبل، وستستغرق اليونان سنوات لكي تستعيد عافيتها.

فهل بدأ زمان تركيا كقوة قادمة في الأفول في هذا الظرف الذي ما برحت تحظى فيه بالثناء لكونها إحدى قصص النجاح القليلة في عالم اليوم؟

لقد أضفت التوقعات بانضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي زخما على الإصلاحات في تركيا التي أنهت هيمنة العسكر على البلاد.

وما فتئت تركيا مفعمة بالثقة في النفس لكنها في قلب منطقة غير مستقرة.

يقول أتيلا يشيلادا "ربما نشهد المعجزة التركية وقد استحالت إلى خيبة أمل تركية".

المصدر : إندبندنت

التعليقات