براون: مسار سريع لاستقرار اليورو
آخر تحديث: 2011/9/30 الساعة 06:23 (مكة المكرمة) الموافق 1432/11/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/9/30 الساعة 06:23 (مكة المكرمة) الموافق 1432/11/4 هـ

براون: مسار سريع لاستقرار اليورو

براون: أوروبا تهدر طاقاتها في معركة تظن أنها الأخيرة وهي ليست كذلك (رويترز- أرشيف)

اعتبر رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردن براون في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز أن أزمة أوروبا الاقتصادية أعمق وأشد تعقيدا من أزمة اليونان، وأوضح أن العديد من خطط الإنقاذ المطروحة حاليًّا لن تجدي نفعًا، مشيرا إلى توفر بديل أكبر وأكثر جرأة ينتظر توفر إرادة سياسية لتجسيده.

وقال براون -الذي سبق أن تولى منصب وزير المالية- "منذ شهور وأنا أكرر القول إن أوروبا تهدر طاقاتها في خوض معركة تظنها الأخيرة، وهي ليست كذلك، فأوروبا اليوم غارقة في معركة جديدة. وبينما أخط هذه السطور يخوض البوندستاغ (البرلمان الألماني) معركة من أجل التوصل إلى حل أزمة اقتصادية تجاوزتها الأحداث.

ومنذ وقت ليس بالقصير، غدَا جليًّا أن أزمة أوروبا الاقتصادية أعمق وأشد تعقيدًا من أزمة اليونان، إذ غدا جليا أن اليورو لن يُكتب له البقاء في صورته الراهنة، وأن الكثير من البنوك الأوروبية توشك على الإفلاس، وأننا بحاجة إلى صفقة إنقاذ أكبر بكثير، بقيمة تريليوني أو ربما ثلاثة تريليونات يورو، إذا ما أردنا استعادة استقرار منطقة اليورو.

وقد أدرك زعماء أوروبا أخيرًا أن الحاجة الملحة للتحرك قد تكون في حد ذاتها منعطفًا دراميا في وجهة الأحداث. لكن ما زال عليهم أن يستوعبوا مدى ضخامة العملية الملقاة على عواتقهم. فنحن بحاجة إلى تريليوني يورو فقط من أجل إعادة رسملة البنوك وتمويل احتياجات اليونان وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا من القروض حتى عام 2014.

هذا المبلغ لا نظير له في التاريخ الاقتصادي، وهو يمثل نحو 3% من إجمالي الناتج العالمي، كما أنه يقزّم برامج الإنقاذ المالي التي قدمت في السابق لأميركا اللاتينية وآسيا ويتجاوز بشكل شاسع مبلغ تريليون دولار الذي وفرته مجموعة الـ20 لدعم صندوق النقد الدولي عام 2009.

وعلى زعماء أوروبا أيضا أن يدركوا الآن أن العديد من خطط الإنقاذ المطروحة حاليا لن تجدي نفعا. فبرنامج التمويل والاستقرار الأوروبي البالغة قيمته 440 مليار يورو، والذي جرت مناقشته في البرلمان الألماني، مبلغ ضئيل للغاية، وأي محاولة لزيادته ستواجه بالرفض، وفي أحسن الأحوال سيتطلب أشهرًا كي تقره وتصادق عليه برلمانات 17 دولة عضوًا في الاتحاد النقدي الأوروبي.

التدخل الطارئ من قبل البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي ليس بديلاً عن الإصلاح الهيكلي في مختلف أنحاء أوروبا، وإنما هو تحرك مؤقت
آلية الاستقرار
هناك بالطبع بديل أكبر وأكثر جرأة من هذا البرنامج وهو ما يعرف بـ"آلية الاستقرار الأوروبي"، لكن لا توجد إرادة سياسية لإخراج تلك الآلية إلى حيز الوجود قبل عام 2013.

متغيّر جديد طفا على السطح في واشنطن نهاية الأسبوع الماضي قد يدعم برنامج التمويل والاستقرار الأوروبي المشار إليه أعلاه، من خلال إسهام البنك المركزي الأوروبي في زيادة هذا المبلغ إلى ما بين تريليون وتريليوني دولار، وهو ما سيمكن البرنامج من تحمل عبء الخسائر الأولية.

يحصل البنك المركزي الأوروبي على دخله من عملياته المصرفية وهو ما يمكنه من التحرك بسرعة. لكن البنك منخرط أصلا في توفير سيولة كبيرة، وبالتالي فلن يقتنع بتجاوز نطاق اختصاصه هذا خشية التضخم ما لم يحظَ بدعم صندوق النقد الدولي والمجتمع المالي العالمي.

80% من قروض صندوق النقد الدولي تذهب إلى أوروبا، والفائض في طاقته الإقراضية حاليا لا يزيد عن 385 مليار يورو، وهو بمثابة كسر قياسا إلى المبلغ المطلوب. وعلاوة على ذلك، فمن غير المحتمل أن يطلب صندوق النقد الدولي أموالاً من أعضائه مرة أخرى من أجل تمويل أوروبا.

ومع هذا فقد يكون هناك بصيص أمل. ففي عام 1970، عندما تعرّض صندوق النقد الدولي لضائقة مالية، اضطر إلى الاقتراض من الدول النفطية. واليوم بوسعه أن يقترض من تلك الدول ومن الصين، التي تفضل دون شك أن تقرض الصندوق على أن تقرض إيطاليا مباشرة مثلا.

وبطبيعة الحال فإن التدخل الطارئ من قبل البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي ليس بديلاً عن الإصلاح الهيكلي في مختلف أنحاء أوروبا، وإنما هو تحرك مؤقت.

شروط فاعلة
على أرض الواقع، فإن الشروط الوحيدة التي أثبتت فاعليتها في أزمة أوروبا هي شروط صندوق النقد الدولي، وعلى الصندوق أن يحدد للقادة الأوروبيين موعدًا نهائيا لمدة 12 شهرا ليقروا وينفذوا آلية طويلة المدى تكون بديلا عن التمويل القصير المدى المقدم من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي من خلال التركيز على التنسيق النقدي وسندات اليورو والتحويلات المالية.

هل من الممكن أن يوافق القادة الأوروبيون على هذا المسار الجذري؟ بعبارة أكثر دقة، هل بإمكانهم تجاوز تشخيصهم الخاطئ للمشكلة؟

التحليلات المغلوطة، المتمثلة في عدم الاستعداد للاعتراف بأن أزمة أوروبا أزمة مصارف وتنافسية وأزمة مالية، قادت إلى قرارات خاطئة على مدى السنوات الثلاث الأخيرة.

وفي أول اجتماع من نوعه لقادة اليورو عُقد في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2008، تفاجأ زملائي من القادة الأوروبيين حينما قلت إن الأزمة ليست أنغلوسكسونية، وبدوا غير مرتاحين حينما أضفت أن مديونية البنوك الأوروبية أكبر بكثير من ديون البنوك الأميركية، كما بدوا متشككين حينما حذرتهم من أن البنوك في منطقتنا أكثر تعرضًا للخطر بسبب "أصولها السامة" واعتمادها بشكل أكبر على التمويل القصير الأجل من الأسواق.

داخل منطقة اليورو، لا تستطيع أي من الدول الأعضاء (بصورة فردية) خفض قيمة عملتها أو تحديد معدلات الفائدة أو طبع نقود أو رفع مستوى العجز في الميزانية، هذه القيود حالت دون تمكين هذه الدول من اتباع أسلوب الولايات المتحدة في معالجة أزمتها
اليوم تبلغ نسبة ديون البنوك الأوروبية والتزاماتها المالية 350% من إجمالي الناتج المحلي (أي خمسة أضعاف التزامات البنوك الأميركية). البنوك الألمانية في ورطة وهي بحاجة إلى إعادة رسلمة لأن عبء التزاماتها أكبر من أصولها بـ31 ضعفًا. وثمة بعض الحقيقة في قول القائلين بأن ألمانيا لن توافق على المشاركة بحصة أكبر في الحل ما لم تواجَه بدليل قاطع بأنها جزء كبير من المشكلة.

7% فقط من صادرات أوروبا تذهب إلى الأسواق الناشئة والصاعدة المسؤولة عن 70% من النمو الاقتصادي في العالم. والعنصر الثالث في أزمة اليورو هو معدل النمو الهزيل إلى درجة تهدد بارتفاع معدل البطالة إلى 10% لسنوات قادمة.

داخل منطقة اليورو، لا تستطيع أي من الدول الأعضاء (بصورة فردية) خفض قيمة عملتها أو تحديد معدلات الفائدة أو طبع نقود أو رفع مستوى العجز في الميزانية، هذه القيود حالت دون تمكين هذه الدول من اتباع أسلوب الولايات المتحدة في معالجة أزمتها.

يمتاز الاقتصاد الأميركي بمرونة كبيرة في مجال حركة العمالة والأجور وتحرر سوق رأس المال والمنتجات، وهو ما يمكن الحكومة من مد يد العون للمناطق المحتاجة للعون. وفوق ذلك فإن في الولايات المتحدة معدلات فائدة منخفضة وبرنامجا لتوفير مزيد من فرص العمل وتحسين البنية التحتية، وكلها إجراءات ينبغي لأوروبا استخدامها دون الإخلال بالتزاماتنا المالية.

فرصة أوروبا
فهل تستطيع أوروبا أن تقود الأسواق وتفاجئها بإقرار برنامج إصلاح يشمل الجوانب المالية والمصرفية؟ لكن التاريخ يعلمنا أن الساسة غالبًا ما يحجمون عن التحرك حتى وإن كانت السياسات صحيحة، ولا يستجيبون إلا عندما يوقنون بأن الأفكار الجديدة تخدم مصالحهم القطرية.

مقترحاتي للبنك المركزي الأوروبي ولصندوق النقد الدولي بمثابة مسار سريع لاستعادة الاستقرار حتى يتم الاتفاق على تفاصيل خطة جديدة لإنقاذ اليورو.

صحيح أن صعوبة شروط صندوق النقد الدولي لا تجعله خيارا "ناعما"، لكنه خيار فيه طمأنة لألمانيا بأنها لن تتحمل وحدها تكاليف عملية الإنقاذ، ولفرنسا بأن تصنيفها الائتماني (AAA) ما زال يحظى بفرصة للنجاة على الأقل، ولباقي دول العالم بأن هناك إمكانية لتفادي ركود جديد قد يضرب بقوة.

لكن المؤسف أن الوقت يضيق على هذا الخيار، وإذا ما استشرى التراجع الاقتصادي في جسم الاقتصاد العالمي برمته قريبا ربما، فإن بقية دول العالم ستحجم عن تقديم المساعدة لأوروبا، وسيقع العالم مجددا في وهدة "حمائية" شبيهة بتلك التي سادت في ثلاثينيات القرن الماضي.

المصدر : نيويورك تايمز

التعليقات