الجيش يخطف ثورة المصريين

الجيش يخطف ثورة المصريين

المشير طنطاوي قائد المجلس العسكري الحاكم في مصر (الجزيرة)

قالت الباحثة في تاريخ الأفكار بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن سمية الغنوشي إن التعذيب وقانون الطوارئ والاعتقالات الجماعية وتأجيل الانتخابات، هي ما يعنيه جنرالات الجيش المصري بحماية الديمقراطية.

شهر العسل لم يدم طويلا، فالجيش فرق المعتصمين بميدان التحرير بالقوة وسجن المئات، وفي ثمانية أشهر وقف 12 ألف مدني أمام محاكم عسكرية، وهو أكبر من عدد المحاكمات العسكرية للمدنيين في عهد مبارك كله
وأوضحت الباحثة في مقال بصحيفة ذي غارديان أنه لو وقف الجيش إلى جانب الرئيس حسني مبارك لما اختلف مصير الثورة المصرية عن نظيرتها في سوريا أو اليمن أو حتى ليبيا، ولحدثت مواجهات دامية في ميدان التحرير يكون ضحاياها بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف. لكن الصورة التي عمت مصر في الأيام الأولى التي تلت تنحي مبارك هي التحام المتظاهرين بالجنود وارتفاع شعار "الشعب والجيش يد واحدة"، وأنها ليست ثورة الشعب وحده بل ثورة الجيش أيضا، لكن الأمر اختلف وأصبح الجيش لا يرى في نفسه شريكا في الثورة بل حاميا لها والحامل الوحيد لشرعيتها.

وأضافت الباحثة أن شهر العسل لم يدم طويلا بين الجيش والمتظاهرين، حيث تم تفريق المعتصمين بميدان التحرير بالقوة وتم سجن المئات، وبين 28 يناير/كانون الثاني و29 أغسطس/آب الماضيين وقف 12 ألف مدني أمام محاكم عسكرية، وهو أكبر من عدد المحاكمات العسكرية للمدنيين في عهد مبارك كله.

كما قالت إن التعذيب ظل منتشرا بشهادة مئات التقارير التي تتحدث عن الضرب واستخدام الكهرباء وحتى الاعتداءات الجنسية.

وأضافت أن الجيش استغل الأجواء التي تلت اقتحام السفارة الإسرائيلية وأعاد العمل بقانون الطوارئ وقال إنها ستبقى حتى يونيو/حزيران المقبل. وفي مؤشر واضح على التوتر، قال طارق البشري -وهو قانوني مرموق ترأس لجنة مراجعة الدستور- إن حالة الطوارئ غير قانونية بدءا من 20 سبتمبر/أيلول 2011، وفقا للمادة 59 من الاستفتاء الدستوري الذي تم يوم 19 مارس/آذار 2001.

وقالت الباحثة إنه إذا كان موضوع حالة الطوارئ يثير توترا سياسيا، فإن انتخابات هذا الشهر تسببت في توتر آخر بعد ما أعلن المجلس العسكري تأجيلها إلى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وبدون ضمانات باحترام الموعد الجديد.

كما أن مجموعة معقدة من القواعد الانتخابية لم تؤد إلى الأفضل، فالأحزاب السياسية تطالب بتصويت مبني حصرا على لائحة القائمة الحزبية النسبية، بينما يسمح الجيش بالترشيح الفردي أيضا، ويقول المنتقدون إن هذه الخطوة ستمكن فلول مبارك من التسلل إلى السلطة مرة أخرى.

وأضافت أن مما زاد الوضع تأزما هو توسيع المقاطعات الانتخابية، فهذا يجعل التصويت صعبا أمام المواطنين، كما يعقد مهمة الحملات الانتخابية للمترشحين كما في الدائرة الانتخابية لشمال القاهرة التي يقطنها نحو خمسة ملايين نسمة.

 الجنرالات لا يبدون مستعدين للعودة إلى ثكناتهم قبل ضمان وضع اليد العليا على السياسة الداخلية والخارجية، والتحكم في القرارات الإستراتيجية والميزانية
وأكدت الباحثة أن وراء قرارات الجيش في هذه الأشهر الثمانية قلقه على وضعه في العملية السياسية، فجنرالاته واثقون من أنه لا عودة إلى ما قبل 1952 عندما استولى الضباط الأحرار على السلطة وظلوا يتحكمون فيها لأكثر من عقدين، لكن يبدو أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى ثكناتهم قبل ضمان وضع اليد العليا على السياسة الداخلية والخارجية، فالجيش يسعى للسيطرة على القرارات الإستراتيجية والتحكم في الميزانية، وأكثر من ذلك إبعاد الرقابة المدنية عنه، وهذا سبب تحرك الجيش لوضع "إعلان المبادئ الأساسية"، وهو ما يمنحه سلطة واسعة وتمكينه من التدخل في السياسة المدنية.

واستشهدت الباحثة بتصريح للواء ممدوح شاهين الذي قال فيه "نريد نموذجا شبيها بما في تركيا، فمصر بحاجة إلى حماية الديمقراطية من الإسلاميين لأن هؤلاء الناس لا يفكرون بطريقة ديمقراطية"، وقالت إن هذا التبرير هو ذاته الذي يستخدمه الحكام العرب منذ عقود للتمسك بالسلطة، مضيفة أن مثل هذا التصريح لا بد أن يلقى ترحيبا حارا في لندن وواشنطن وباريس وتل أبيب، ليتضح أنه سواء بالبذلة العسكرية أو المدنية يبدو أن مصالح الحكام المستبدين مرتبطة بالقوى الغربية، وفي هذا الزواج غير المقدس بين القوى الداخلية والأطراف الخارجية تكمن المحنة المأساوية للإصلاح والديمقراطية والديمقراطيين في البلاد العربية.

المصدر : غارديان