كاي يرى أن محاكمة القذافي وابنه ورفاقهما في ليبيا سترسي دعائم روح القانون في ليبيا ما بعد الحرب (رويترز)

أثار الكاتب ديفد كاي موضوع مكان محاكمة العقيد معمر القذافي في حال أسره حيّا من قبل المعارضة الليبية المسلحة التي باتت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على كامل التراب الليبي بمساعدة الحملة العسكرية بقيادة حلف الناتو.

يقول كاي إنه من حيث المبدأ يستحق الليبيون أن ينالوا حقهم بإنزال عدالة بلادهم بمحاكمتهم القذافي، وإن هذه الخطوة سيكون من شأنها ترسيخ روح القانون وستلعب دورا إيجابيا هاما في نقل ليبيا إلى مرحلة سياسية جديدة يسودها حكم القانون.

ولكن المشكلة في ذلك الطرح -يكمل كاي- هي المحكمة الجنائية الدولية التي تقبع في لاهاي بهولندا على بعد 1400 ميل من الساحل الليبي. فهذه المحكمة سبق أن أصدرت مذكرات إلقاء قبض على القذافي وابنه البكر سيف الإسلام ورئيس المخابرات الليبي السابق عبد الله السنوسي.

ونظرا لاقتناع الأمم المتحدة بأن جرائم القذافي ليست بحق الليبيين فقط بل هي جرائم بحق الإنسانية، فقد قامت بالإيعاز إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير/شباط الماضي بتحري الوضع في ليبيا. والآن، تريد المحكمة أن تحاكم الثلاثة بموجب القانون لتهم تتعلق بجرائم ارتكبت خلال الثورة الليبية التي اندلعت في الشتاء الماضي.

ويبرز الكاتب رأيين متناقضين فيما يخص مكان محاكمة القذافي. يقول الرأي الأول إن الحكومة الليبية الجديدة ملزمة قانونا بتسليم القذافي ومعاونيه إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما يرى الرأي الثاني أن على المحكمة في لاهاي أن ترجع إلى الحكومة الليبية الجديدة وتستطلع رأيها إن كانت ترغب وتمتلك المقومات اللازمة لمحاكمة القذافي محاكمة عادلة في الداخل.

ويقترح الكاتب حلا وسطا يرضي -من وجهة نظره- داعمي كلا من الرأيين الآنفي الذكر، وهو أن تحاكم المحكمة الجنائية الدولية القذافي ورفاقه ولكن في ليبيا.

ويرى الكاتب أن هناك عوامل لوجستية تجعل ليبيا الخارجة توا من أتون حرب طاحنة تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لإجراء محاكمات معقدة مثل محاكمة القذافي ورفاقه الذين تعتبر قضاياهم قضايا شائكة ولها تفرعات كثيرة.

ويقول الكاتب إن المحكمة الجنائية الدولية هي الجهة التي تمتلك البنية التحتية والخبرة اللازمة لإجراء محاكمات معقدة، وإن تمكنها من جمع وتوثيق الأدلة التي أصدرت بموجبها مذكرات إلقاء القبض على القذافي وابنه والسنوسي في وقت قياسي خير دليل على ذلك. أما مكان المحاكمة فتلك قضية أخرى.

محاكمات لاهاي تجرى بلغة وإجراءات غريبة عادة عن المتهمين ومجتمعاتهم (الفرنسية) 
ويستطرد الكاتب في سرد التفاصيل التي تدعم توجهه، ويقول إن المحاكمات التي تجرى في لاهاي تكون بعيدة عن مكان وقوع الجريمة (المفترض) وتستخدم لغة أجنبية عن المتهمين وضحاياهم (المفترضين) ومجتمعاتهم، كما أن الإجراءات التي تتبعها قد تكون غير مفهومة لدى المجتمعات التي ينتمي إليها المتهمون والضحايا.

لقد واجهت المحكمة الجنائية الدولية في الماضي صعوبات في تثقيف وتعريف المجتمعات الأفريقية بطريقة عملها، ولكن تلك المشاكل لم تقع في حالة المحكمة الخاصة في سيراليون ولم تظهر في محاكمات الخمير الحمر التي أجريت في العاصمة الكمبودية فنوم بنه، حيث كانت تلك المحاكم مؤلفة من طاقم هجين مكون من عناصر تنتمي إلى الدولة التي تجرى فيها المحاكمة وأخرى تمثل القانون الدولي.

ويخلص الكاتب إلى القول إن محاكمة القذافي ورفاقه في طرابلس سوف تكون لها منافع عملية ورمزية. ولعل المسألة الأهم أنها ستكون على مقربة من المجتمعات التي تتوق إلى رؤية العدالة تتحقق بأم عينها وعلى مقربة منها.

إن تطعيم طاقم محكمة القذافي بعناصر ليبية سيكون له أثر إيجابي في تمكن المحكمة من التواصل مع أكبر عدد ممكن من الضحايا، بالإضافة إلى كونها فرصة ثمينة للطواقم القانونية الليبية والمحامين الليبيين الشباب لكسب خبرة جديدة عن طريق العمل ضمن نظام قانوني حديث.

ويمضي الكاتب في سرد فوائد عقد محاكمة القذافي ورفاقه في ليبيا ويقول إن ذلك سوف يؤدي إلى ترسيخ روح العدل وسيادة حكم القانون مما سيساعد على تقديم المجرمين الأقل شأنا من القذافي ورفاقه إلى المحكمة لينالوا جزاءهم عن الجرائم التي اقترفوها، وذلك يشمل أيضا الجرائم التي اقترفها الثوار.

المصدر : نيويورك تايمز