صور للقذافي وقد ألقي بها أرضا بعد اقتحام القنصلية الليبية بأثينا مع دخول الثوار طرابلس(الفرنسية)

يشارف نظام العقيد على السقوط، لكن نشوة النصر التي يبديها المتمردون لا تغطي على الخلافات التي تحتدم بينهم، لذا قد يرحل معمر القذافي لكن الحرب قد لا تنتهي بالضرورة، كما كتب باتريك كوكبورن في صحيفة إندبندنت البريطانية.

إن السؤال ليس إن كان النظام سينهار، بل هو إنْ كان سيخوض قتالا للاحتفاظ بالعاصمة، فهو يملك العدد والعتاد لخوض المعركة، وإن كان أنصاره قد يعزفون عن خوض معركةٍ من أجل قضية خاسرة.

إن تفاصيل سقوط القذافي ستكون مهمة لمستقبل ليبيا: يهرب؟ يختفي؟ يقاتل مرة أخرى؟ يُعتقل؟ أم يموت في آخر خطوط الدفاع؟ هل سيلاحق أنصاره ويقتّلون؟

فبعد حرب أهلية استمرت ستة أشهر، فإن سلاما مستديما في ليبيا يعني أن من قاتلوا معه لا يجب أن يُذبَّحوا كما يذبّح المنبوذون، أو يعتقلوا أو تشملهم يد الثأر أو يهمشوا سياسيا.

فكونُ القذافي كان أضعف من أن يحتفظ بالسلطة، لا يعني أن المتمردين قوة هائلة، فقد أنقذهم الناتو من الهزيمة في مارس/آذار الماضي عندما زحفت آليات العقيد على بنغازي، وهم لم يدخلوا طرابلس إلا لأنهم تلقوا دعما تكتيكيا من طائرات الناتو.

مفارقة
وفي مفارقة فريدة، اعترفت أكثر من 30 دولة بـالمجلس الوطني الانتقالي (بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا)، لكن ذلك لا يعني أن هذا المجلس يحظى بهذا الاعتراف الواسع لدى المتمردين أنفسهم، كما هو الحال مع متمردي مصراتة الذين يقولون سرا إنهم لا ينوون الانصياع لأوامر المجلس.

وعلى الرغم من أن هذا العناد قد لا يستمر طويلا فإنه مؤشر على الخلافات العميقة بينهم.

ذلك ليس المؤشر الوحيد، فقبل بضعة أسابيع قُتل قائد المعارضين عبد الفتاح يوسف. فبعد أن استدعي من الجبهة، عُزل عن حراسه ثم عذب حتى الموت حسب روايات كثيرة، وأحرقت جثته.

تبع ذلك عزل المكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي لفشله في فتح تحقيق جدي في مقتل يونس، وهو قرارٌ جاء كما يبدو لأن العبيدي قبيلة القتيل طلبت إيضاحات حول ما جرى.

سينظر ليبيون كثيرون إلى نهاية حقبة الحكم الطويلة للقذافي بكثير من الارتياح، فعقلية عبادة الشخصية التي أرساها القذافي، وحكمه التسلطي وأيديولوجيته الصبيانية وحركاته المسرحية، أنتجت كلها نمطا فريدا من القمع، جعل مثلا طلبة الجامعة، في هذا الاختصاص أو ذاك، ملزمين بدخول اختبار حول الكتاب الأخضر، وإلا اضطروا إلى إعادة السنة.

لذا لم يكن غريبا أن تكون البناية التي تحتضن مركز دراسات الكتاب الأخضر في بنغازي إحدى أولى البنايات التي شملتها ألسنة اللهب الغاضب بعد اندلاع الانتفاضة في فبراير/شباط الماضي.

القذافي والغرب
إن القومية الساذجة التي تبناها القذافي والضباط الذين ساعدوه في تنفيذ انقلاب 1969 أدهشت بقية القادة العرب، لكن النظام الجديد استطاع بحشره الغربَ في الزاوية أن يرفع أسعار النفط بصورة كبيرة، وكان لذلك آثار هائلة على ليبيا والشرق الأوسط.

إن مستوى المعيشة في ليبيا أفضل من بلدان مجاورة كمصر أو بلدان أخرى لا تملك النفط، لكن نظام القذافي، وعلى الرغم من كل راديكاليته المزعومة، انتهى به الأمر في العقد الأخير نظامًا شبه ملكي لأبناء العقيد فيه حصةُ الأسد من الثروة والسلطة.

هذا النفط الذي تتمتع به ليبيا وقرب هذا البلد من أوروبا هما ما جعلا قادة ودولا كثيرين، وبعد أن أغدقوا الثناء على القذافي قبل عام فقط، ينقلبون عليه ويصفونه بالطاغية ثم يعترفون بالمجلس الانتقالي: إنها لعبةُ الرهان على الرابح الجديد في ليبيا.

من الواضح الآن أن القذافي قد خسر، لكن ليس من الواضح تماما من الرابح في ليبيا.

في البداية تدخلت فرنسا وبريطانيا لأسباب إنسانية، بدعم هام من الولايات المتحدة، لكن ذلك سريعا ما تحول إلى عمل عسكري لتغيير النظام.

والمتمردون المتّقدون حماسا لكنْ المفتقدون إلى التدريب، ما كانَ لهم أن يحققوا أي انتصار لولا الدعم التكتيكي الجوي، بلْ إنَّ من الغريب في ضوء هذا الدعم أن الحرب استمرت كل هذا الأمد.

إذا استطاع الناتو أن يمكّن المتمردين من السلطة، فهل سيستمر في أداء دور حاسم في مستقبل الأيام؟

انتهت الحرب؟
لم يكن صدام حسين يحظى بالشعبية عندما أطيح به وكذلك الحال مع طالبان، لكنْ سقط هذان النظامان ولم تكن هناك معارضةٌ تحظى بالشعبية وتستطيع الحلول محلهما.

وفي كلتا الحالتين فإن الحروب التي كان يعتقد أنها انتهت عادت لتستعر، وبات يُنظر إلى الحلفاء الأجانب على أنهم محتلون.

كذلك الأمر ربما في ليبيا، فقد انتصر المتمردون، لكن التدخل الأجنبي غيّر النظام على الطريقة العراقية والأفغانية.

بل إن النظام الليبي صمد أكثر مما صمد صدام أو حركة طالبان، وكانت الحرب أشد شراسة واستمرت أكثر مما كانت فرنسا أو بريطانيا تتخيلان.

سيرحل القذافي حتما، لكن ما زلنا ننتظر لنرى إن كانت الحرب قد انتهت فعلا.

المصدر : إندبندنت